ما بعد المينورسو.. هل تنتقل قضية الصحراء المغربية من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية؟

لم يعد النقاش حول قضية الصحراء المغربية يقتصر على مستقبل بعثة الأمم المتحدة “المينورسو” أو طبيعة المهام الموكولة إليها، بل بات يمتد إلى شكل المرحلة السياسية المقبلة، وحدود الآليات التي ظلت تؤطر هذا الملف منذ تسعينيات القرن الماضي.

فبعد أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء البعثة الأممية، يطرح التوجه المغربي المعلن في بلاغ الديوان الملكي سؤالا بشأن جدوى استمرار المقاربة التقليدية لتدبير النزاع، في ظل التحولات التي عرفتها القضية على المستويين الإقليمي والدولي، وتنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وبذلك، يتجاوز النقاش مجرد مصير بعثة أممية، ليصل إلى طبيعة المسار السياسي الذي يمكن أن يؤطر المرحلة المقبلة، وما إذا كان الملف يتجه نحو الانتقال من إدارة وضع قائم إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية.

منذ تأسيسها سنة 1991، ارتبطت المينورسو بتنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار والإعداد للاستفتاء، في إطار المسار الأممي الرامي إلى تسوية النزاع. غير أن تعثر هذا المسار على مدى سنوات أعاد طرح تساؤلات بشأن قدرة الآليات المعتمدة على تحقيق تقدم سياسي ملموس.

وفي هذا السياق، يقرأ سالم عبد الفتاح، المختص في شؤون الصحراء، في تصريح خص به THE PRESS، بلاغ الديوان الملكي باعتباره تصورا مغربيا لمرحلة ما بعد المينورسو، يقوم على تجاوز آليات تدبير النزاع والانتقال إلى مسار سياسي يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي.

وأوضح عبد الفتاح أن البلاغ يعكس رفض استمرار آلية المينورسو بأفق مفتوح، بعدما باتت آلياتها الأصلية غير قادرة على إنتاج تسوية، معتبرا أن المرحلة تقتضي إعادة تعريف وظيفة البعثة الأممية في ضوء التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة والواقع المسجل على الأرض.

وأضاف أن انتهاء ولاية المينورسو، وفق التصور الذي يعكسه البلاغ، يحمل دلالة سياسية تتجاوز مصير البعثة، باعتباره مناسبة للانتقال من منطق تدبير الوضع القائم إلى البحث عن تسوية نهائية للنزاع.

لا ينفصل هذا التصور عن التحول الذي عرفته مواقف عدد من الدول تجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية، باعتبارها أساسا لتسوية سياسية تحت السيادة المغربية.

فالمغرب يسعى إلى جعل المبادرة محورا للمفاوضات المقبلة، بما يعني الانتقال من مقاربة ظلت مرتبطة بآليات أممية تعود إلى سياق بداية التسعينيات، إلى مقاربة سياسية تستحضر التحولات التي عرفها الملف خلال العقود الماضية.

وفي هذا الإطار، يرى سالم عبد الفتاح أن البلاغ يربط بين التحول في وضع المينورسو وتنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية، بما يعكس توجها نحو جعل التسوية السياسية في إطار السيادة المغربية محور المرحلة المقبلة، بدلا من استمرار الرهان على آليات يعتبر أنها لم تعد قادرة على إنتاج الحل.

أحد أبرز أبعاد هذا التحول يتعلق بطبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به الأمم المتحدة مستقبلا. فبدلا من استمرار آليات المتابعة والتقارير والاجتماعات الدورية المرتبطة بتدبير النزاع، يبرز توجه مغربي نحو إعطاء الأولوية لمسار سياسي أكثر ارتباطا بإمكانات التوصل إلى حل.

ويشير عبد الفتاح إلى أن المطالبة بإنهاء الاجتماعات والتقارير الدورية تعكس رغبة المملكة في وضع حد لما تعتبره استدامة للنزاع داخل المؤسسات الأممية، والانتقال إلى مقاربة تفاوضية ترتبط بإمكانيات التسوية، بدل الارتهان لآليات ثبت عدم جدواها، وفي مقدمتها الاستفتاء الذي تعذر التوصل إلى شروط متوافق عليها لتنفيذه.

غير أن هذا التحول يطرح بدوره أسئلة بشأن طبيعة الدور الأممي في المرحلة المقبلة، وحدود التوافق الدولي حول الآليات البديلة، ومدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط في مسار سياسي يستحضر مبادرة الحكم الذاتي.

بين تراجع فعالية الآليات التقليدية وتنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية، تبدو قضية الصحراء أمام نقاش يتجاوز مسألة استمرار بعثة المينورسو من عدمه، ليصل إلى مستقبل العملية السياسية برمتها.

فالتحدي لا يتعلق فقط بإعادة صياغة دور الأمم المتحدة، وإنما أيضا بمدى القدرة على تحويل التحولات الدبلوماسية إلى مسار تفاوضي يفضي إلى تسوية نهائية، ويضع حدا لعقود من النزاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

غوتيريش يعلن بدء تصفية بعثة «المينورسو» بالصحراء

المنشور التالي

فيدرالية اليسار تدعو إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين

المقالات ذات الصلة