بين دخان المحركات المتهالكة وفرقعة الإطارات المنفجرة، يعيش سكان مدينة وجدة يوميات “سريالية” مع أسطول النقل الحضري. صور الحافلات المتفحمة أو الرابضة وسط الشوارع بسبب أعطال تقنية لم تعد مجرد “حوادث معزولة”، بل أصبحت السمة الغالبة لقطاع يلفظ أنفاسه الأخيرة، ملقيا بظلاله على سلامة وكرامة آلاف المرتفقين.
مشاهد الذعر.. “قنابل موقوتة” في الشوارع
في طريق “سيدي يحيى” النابض بالحركة، توقفت إحدى الحافلات فجأة وسط سحابة كثيفة من الدخان الأسود. الركاب، ومعظمهم من الطلبة والموظفين، هرعوا لمغادرة العربة في حالة من الذعر خوفا من انفجار محتمل. هذا المشهد الذي وثقته عدسات المواطنين وانتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، يختزل واقعا مريرا.
لا يتوقف الأمر عند المحركات؛ فبالنظر إلى الحالة الميكانيكية لـ “خردة” الحافلات التي تجوب شوارع وجدة، تصدمك حالة الإطارات. حافلة بإطار منفجر تماما، حيث تآكل المطاط لدرجة كشفت عن الهيكل المعدني الداخلي، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب المراقبة التقنية الدورية ومدى احترام معايير السلامة الطرقية.
مسؤولية ضائعة ودفتر التحملات “حبر على ورق”
تتوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى الشركة المفوض لها تدبير القطاع بالمدينة. الساكنة والفعاليات المدنية بوجدة لم تعد تطالب بتحسين الخدمة فحسب، بل بإنقاذ الأرواح.
“نحن لا نركب حافلات، نحن نركب قنابل موقوتة”، تقول بشرى عسلي، طالبة جامعية، وتضيف بمرارة: “الاكتظاظ الخانق داخل حافلات متآكلة يجعل الرحلة قطعة من العذاب، ناهيك عن التأخرات التي تسبب لنا مشاكل في التحصيل الدراسي والعمل”.

وتشير تقارير محلية إلى أن دفتر التحملات الذي يربط الشركة بالمجلس الجماعي يتضمن بنودا صارمة بخصوص تجديد الأسطول والصيانة، وهي البنود التي يرى الكثيرون أنها ظلت “حبرا على ورق”، وسط صمت الجهات الوصية التي لم تحرك ساكنا لتفعيل لجان المراقبة والضرب بيد من حديد على المخالفين.
احتجاج رقمي لتعرية الواقع
انتقلت المعركة من الشارع إلى العالم الافتراضي، حيث تصدر وسم #Oujda_48 منصات “تيك توك” و”فيسبوك”. النشطاء الرقميون بوجدة اختاروا لغة الصورة لتعرية الواقع، فنشروا مقاطع تظهر حافلات تسير بأبواب مفتوحة، وأخرى تتسرب إليها مياه الأمطار، وثالثة تشتعل فيها النيران في واضحة النهار.
هذا “الضغط الرقمي” يعكس وعيا جمعيا بضرورة القطع مع التدبير العشوائي لقطاع حيوي يمس عصب الحياة اليومية.
تقول (فدوى.ب) “لقد هرمنا من سماع الوعود التي تتبخر في كل مرة. منذ ثلاث سنوات ونحن نسمع عن قرب وصول الدفعة الجديدة من الحافلات الحديثة لتعزيز الأسطول المتهالك، لكن الواقع يصفعنا يوميا بخردة لا تصلح حتى لنقل البضائع. مرت ثلاث سنوات كاملة دون تغيير يذكر، والنتيجة هي ما تشاهدونه: حافلات تشتعل في واضحة النهار وإطارات تنفجر لتهدد حياة الركاب”.
بين الوعود والواقع: المواطن الوجدي يدفع ضريبة الانتظار
يبقى السؤال المعلق في أذهان الوجديين: إلى متى سيستمر نزيف هذا القطاع؟ الخبراء في الشأن المحلي يؤكدون أن الحل لا يكمن في “ترقيع” الأعطال، بل في مراجعة شاملة لمنظومة النقل الحضري بالمدينة، وتوفير أسطول يليق بمدينة وجدة كقطب قاري وجهوي بامتياز.
وفي انتظار استجابة رسمية تنهي حقبة “الحافلات المحترقة”، يظل المواطن الوجدي هو الحلقة الأضعف، مضطرا لاستقلال وسيلة نقل قد توصله إلى وجهته.. أو قد تتركه في منتصف الطريق يصارع الدخان والأعطال.