وعود زائفة بالوصول إلى جنة الأرض و حلم الصغر الذي يراودهم في العبور إلى الضفة الأخرى، و أبناء العائلة الذين يتباهون بالسيارات الفاخرة كلما حلو في فصل الصيف من بلاد المهجر، كلها مغريات لشباب حالم بغد أفضل خاصة حينما تنعدم الرغبة في الدراسة و يلتصق بها الفقر و العوز، فيصبح نور المستقبل يشع فقط من نافذة أوروبا بينما يحل الظلام كلما نمت إرادة في البقاء في الوطن.
واقع صعب و الحلم بغد أفضل
يشقون مياه البحر المتوسط فارين من الحاضر على متن قوارب صغيرة قد تصل فيصبح الحلم حقيقة و قد ينتهي بهم المطاف في عداد المفقودين فتصبح أجسادهم النحيلة التي قاومت البرد و الجوع و العطش من أجل أن تهاجر غذاء للحوت في عمق البحر.
لا يقودهم العقل في رحلة الموت تلك بل الطمع في فردوس موعود يمحي مأساة الواقع الاقتصادي و الاجتماعي الذي يتدهور يوما بعد يوم في بلدانهم، خاصة مع الأزمة التي خلفتها تداعيات فيروس كورونا آنذاك، و لعل فيديوهات الوصول و السيلفيات التي تنشر لمهاجرين عبروا لشواطئ أوروبا تزيد من حماس الهجرة و المغامرة.
أحلام مفقودة
مع بداية تخفيف قيود الحجر الصحي، سادت فكرة واحدة في أذهان شباب مدينة خريبكة، ألا و هي الهجرة لاسيما بعد الشهرة الواسعة لأحد المهربين الذي استطاع عدد كبير من أبناء المدينة أن يعبروا عن طريقه إلى الضفة الأخرى.
يقول زكرياء و هو شاب في ربيعه 26 و تمكن من الوصول إلى إيطاليا سنة 2021 عن طريق الهجرة السرية: ” الدراسة لم تكن تكن غايتي و لم أحصل على البكالوريا فاخترت أن أدرس بالتكوين المهني عسى أن أحصل على ديبلوم يؤهلني للولوج إلى سوق الشغل لأخفف العبئ على عائلتي، التي تبني آمالا واسعة على ابنها البكر في انتشالها من الظروف المزرية التي تعيشها”.
أفئدة أهل تعبر مع فلذات كبدها
أخبار المهاجرين من أبناء المدينة الذين هاجروا لا تنقطع من الحي الذي يسكن فيه زكرياء، فتحول من شاب كان يمازح والدته ويقبل رأسها نهارا، ويبتسم لأصحابه في حيه كل مساء، إلى حالم قرر أن يقطع حبال الوصال والود، برحلة مظلمة لا يعرف نهايتها.
بدأت الفكرة تراود زكرياء في الالتحاق بالناجين من أبناء حيه، أقنع نفسه فبقي الدور على عائلته “كنت أعلم أن المهمة الأصعب تكمن في إقناع عائلتي، طرحت المسألة عليهم لأول مرة فقوبلت بالرفض، ليستغرق إقناعهم شهرين إلى أن سئموا من إلحاحي و تفهمو أني لو بقيت إلى جانبهم لن أستطيع توفير حتى قوتنا اليومي، لذلك يجب أن أغامر وأغادر الوطن لكي أنقذ نفسي و أسرتي”.
تقبلت العائلة الوضع بسبب إلحاح ابنهم لكن كلما اقترب موعد التواصل مع المهرب إلا و تمنت أن تحدث معجزة، تمكن قطعة روحها من الجلوس في حضنها و البقاء في المنزل الذي ترعرع فيه حتى و إن لم يحظى بمستقبل كالذي يحلم به خارج أرض الوطن.
رحلة مجهولة النهاية
انعدمت سبل تلبية احتياجات هذا الشاب العشريني، فكان الدافع قويا بالنسبة له ليودع موطنه و يشق طريق مغامرة تستحق في نظره كل هذا الجهد و العناء.
تواصل زكرياء مع المهرب الذي ذاع صيته داخل المدينة عن طريق تطبيق “واتساب” لأنه يوجد خارج المغرب، سهل له العملية واتفقا على ثمن رحلة النجاة لزكرياء، استقر المبلغ في 3000 يورو أي حوالي 3 مليون سنتيم، وزوده بأرقام هواتف خليته المنتشرة في كل نقط عبور المهاجرين.
قبل زكرياء جبين والديه لعلها لا تكون المرة الأخيرة التي تلتقي فيها أعينهم، شقت دموع والدته وجنتيها و ملأت الدموع عيناي باقي أسرته متسائين أهذه المرة الأخيرة التي سيرون فيها ابنهم البكر؟ أم لا يزال المستقبل أمامه و سيجتمعون من جديد؟ خرج الشاب و دعاء والديه يتردد في مسامعه إلتقى بباقي رفاقه ليركبوا حافلة توصلهم لشرق المملكة وبالضبط مدينة وجدة في رحلة استغرقت 8 ساعات خففوا من طول مدتها بمزاح شبابي ربما ينسيهم روعة ماينتظرهم.
انتهت مدة الرحلة و هاهي الحافلة تدخل للمحطة الطرقية للمدينة، اختلطت المشاعر أهي فرحة الاقتراب من الحلم؟ أم خوف من المجهول؟ ضربات القلوب يكاد يسمعها المارة و لاشيئ سيهدئ من روعتها سوى اتصال من أحد أفراد خلية المهرب.
اجتمع الشباب منتظرين رنة الهاتف، و هذا ما حصل بعد ثواني معدودة وصلت رسالة على الواتساب حددت فيها نقطة الانطلاق، اتجه زكرياء و من معه إليها و الخوف يتسلل إلى قلوبهم التي لم تكن تعرف حجم تلك المغامرة، واجتمع المهاجرون في مكان واحد منتظرين غروب الشمس لكي تسهل مهمتهم.
خيم الظلام في ليلة اكتمل قمرها و زينت النجوم سماءها، لعل ذلك القمر يضيء طريق الشباب الذين سيعبرون الحدود المغربية الجزائرية مشيا على الأقدام، يقول زكرياء ” قطعنا 85 كيلومترا مشيا على الأقدام إلى أن وصلنا إلى منزل في ملكية أحد رفاق المهرب، هناك ارتحنا قليلا لنستعد للقادم”.
رحلة بطعم العلقم
تذوق الشباب حلاوة النوم في ذلك البيت متجاهلين مرارة ماحل و ما سيحل بهم، جاءت الرسالة الثانية التي يأمر فيها المهرب بالخروج من المنزل، لم يتوانى الشباب في تلبية الطلب ليحملوا أمتعتهم القليلة و يركبوا سيارات خصصت لنقلهم بين مدن الجزائر، لا تتوقف السيارة إلا بعد أن تقطع أزيد من 500 كيلومترا، ليأخذ السائق قسطا من الراحة و يواصل شق طريقه التي طالت على المهاجرين القادمين من كل البقاع لكن يجمعهم نفس الحلم و الهدف باختلاف جنسياتهم، لغاتهم، وأعمارهم.
مر أسبوعان و المهرب أخلى الجزائر من أفراده ليعمر بهم ليبيا و منازلها، هذا البلد الذي لم يعرف فيه زكرياء معنى الراحة خوفا من أن يداهمهم العسكر الليبي و يغيبهم في غياهب السجن، هذا الأخير الذي يذوق فيه السجناء أشد أنواع التعذيب النفسي و الجسدي، و يفتقر لأبسط شروط العيش الكريم للسجين، لم يكن السجن هاجس زكرياء لوحده بل حتى المهرب كان يخشى تلك المداهمة، ليغير مسكن المهاجرين كل 3 أيام خوفا من الوقوع في المحذور.
مضت ثلاثة أشهر على زكرياء في ليبيا سلم فيها المبلغ للمهرب، واستمر فيها التواصل مع عائلته بين الفترة و الأخرى، آملا أن يكون دوره في العبور إلى الضفة الأخرى قد اقترب.
وجهة دون مرسى قارب
حان اليوم الموعود ملامح تكسوها الفرحة و أخرى يطبعها الخوف من مصير مجهول، جمع المهاجرون مؤونتهم من الغذاء و الماء بطلب من المهرب، و اصطفوا على جانب البحر منتظرين ” الجرافة” التي ستعبر بأحلامهم، اختلفت جنسياتهم وتوحدت ملامح وجوههم الجامدة التي تنتظر لحظة الحسم، و لا شيء يكسر هدوء المكان غير صوت أمواج البحر وبعض صرخات الرضع الذين قرر أهلهم أن يعبروا بهم.

حمل ذلك القارب 420 شخصا و غاص بين موجات البحر، لحضات امتزج فيها الحزن بالفرح في وجوه لا تكاد ترى بعضها من كثرة الظلام الذي التحفوا به، لم تكن الرحلة سهلة و حسب ما روى لنا زكرياء فالرحلة طبعتها مناوشات و قلة التفاهم بين المهاجرين خاصة و أن العدد كبير، دون أن ننسى الجوع و العطش الذي لم ترويه قنينات الماء التي حملها المهاجرون معهم، و من حسن حظهم أن قبطان القارب كان يعرف طريقه جيدا دون أن يتوه في مياه البحر الأبيض المتوسط، لتستمر الرحلة 20 ساعة فقط.
كان معلوم أن القارب أو “الجرافة” كما يسمونها لن ترسى على الشاطئ، فبمجرد دخولها للمياه الإيطالية بدأ صوت المياه يرتفع معلنا عن قفز المهاجرين فيه ، لتستقبل ال 420 مهاجرا بأكملهم.
الحلم يتحول لحقيقة
لا تكاد تفرق في تلك اللحضة بين سمك السردين و المهاجرين الذين اجتمعو في مكان واحد رافعين رقابهم و يلوحون بأيديهم لعل البحرية الإيطالية تمر، فتنتشل تلك الأجساد النحيلة التي أنهكها الجوع و العطش و لم ترحمها برودة مياه البحر. مرت 5 ساعات و هاهو الفرج قد حان والشرطة الإيطالية تنقذ المهاجرين لتوصلهم لبر الأمان، فينتهي الكابوس و يتحول الحلم إلى حقيقة.

غربة بطعم الوطن
وصلت البحرية الإيطالية بزوارقها إلى الشاطئ و بدأ المهاجرون في النزول، و لا شيء يشغل التفكير في تلك اللحظة إلا البحث عن مكان للمأوى، لم تتأخر الأمنية في التحقق لتنقلهم السلطات الإيطالية إلى باخرة مخصصة للمهاجرين غير الشرعيين وسط جزيرة لامبادوزا الإيطالية. يحدثنا زكرياء وصوته لايخففي فرحته: ” السلطات الإيطالية أنقذتنا، و شعرنا و كأننا في بلدنا فمباشرة بعد وصولنا إلى الباخرة تم منحنا ملابس جديدة، إضافة إلى كمية كبيرة من المأكولات لنشبع جوعنا”.
و أضاف زكرياء أن مساعدة السلطات الإيطالية لم تتوقف هنا بل أيضا تم فحصهم عند الطبيب لمعرفة ما إذا كان يعاني أحد منهم من أي مرض لتلقي العلاجات الضرورية، و عزله في حال كان مصابا بأي فيروس خاصة كوفيد19 الذي كان منتشرا آنذاك. مؤكدا أن مدة الإقامة المحددة في الباخرة لا تتعدى 15 يوما و بعد ذلك يجب أن تبحث عن مكان يأويك وعمل لتستقر في إيطاليا كباقي المهاجرين.
رغبة لم تعقها الحدود
الإيمان بأن النور سيسطع من أوروبا كان دافعا قويا لركوب قوارب الموت رغم تضاؤل الآمال في النجاة و هذا ما أكده أستاذ علم الاجتماع محسن بنزاكور في تصريح خص به THE PRESS: ” الرغبة في الهجرة السرية لن تنقطع لسبب أو لآخر، رغم أن المدة أطول عن طريق ليبيا إلا أن قدرة التحمل كبرت معها، و لم تعد الحدود تشكل عائقا أمام الهجرة الإفريقية نحو أوروبا”.
و كما هو معروف فالعبور للضفة الأخرى مليء بالانتظارات، و أكد المختصون أن هذه الانتظارات هي المحرك الأساسي لكل سلوك إنساني كيف ما كانت طبيعته و قال بنزاكور أثناء حديثه معنا إن: ” انتظارات هؤلاء المهاجرين يعتقدون دائما أنها أفضل بكثير من وضعهم الحالي، فيسهل التغرير بهم و يرتفع سقف انتظاراتهم لدخول غمار الهجرة و الرفع من حماسهم رغم وجود بعض العوائق”.
انعدام الفرص داخل الوطن
لم يرفع من جرأة هؤلاء المهاجرين لمحاولة العبور للدول الأوروبية، غير انعدام سبل العيش الكريم و فرص الشغل، و حسب المندوبية السامية للتخطيط في المغرب فإن معدل البطالة في البلاد ارتفع إلى 12.9% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2023 مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
و أكد بنزاكور أن الحل الجذري لتوقيف هجرة الشباب من أوطانهم هوتوفير فرص عمل تشبع انتظاراتهم من النجاح، و تحسن من مستواهم الاجتماعي لأن تشديد الحراسة الحدودية لا تعد حلا جذريا بل لحظيا”.