موجة العبور نحو سبتة.. العوامل الخفية والرهانات السياسية

في ظرف أيام قليلة، تحولت مدينة سبتة المحتلة إلى مسرح لأكبر موجة عبور جماعي نحو الضفة الأخرى منذ سنوات، بعدما تمكن آلاف المغاربة من الوصول إليها عبر البحر أو البر، فيما لقي آخرون مصرعهم خلال محاولات العبور. وبينما كانت الأزمة تتفاعل ميدانيا، سارعت الرباط ومدريد إلى توقيع اتفاق أمني يقضي بتسريع إعادة المهاجرين الذين دخلوا المدينة بطريقة غير نظامية. وفي هذا التصريح الذي خص به THE PRESS، يقدم الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية عبد الحكيم قرمان قراءة منهجية لهذه الموجة، متوقفا عند أسبابها، وأبعادها السياسية والأمنية، والرهانات التي تفرضها على المغرب وإسبانيا والمنطقة

يرى الباحث أن ما يميز موجة 2026 لا يرتبط فقط بعدد المشاركين فيها، وإنما أيضا بطبيعتها التنظيمية، إذ انتشرت دعوات مكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحشد الشباب والتوجه نحو نقاط العبور، ما يعكس مستوى من التنسيق يتجاوز ما عرفته محاولات سنة 2021.

كما تشير المعطيات، بحسب التصريح، إلى أن أغلبية المشاركين هم من فئة الشباب دون سن الخامسة والعشرين، وهي الفئة الأكثر تأثرا بالبطالة والهشاشة الاجتماعية، في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة واتساع دائرة الإقصاء الاقتصادي.

يؤكد التصريح أن موجة الهجرة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عوامل قانونية واقتصادية وتنظيمية. مشيرا إلى أن قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، القاضي بعدم الإرجاع الفوري للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر، قد يكون أحد العوامل التي أثرت في دينامية الهجرة نحو سبتة، من خلال تقليص الخوف من الإرجاع المباشر، مع التأكيد على أن هذا العامل لا يفسر الظاهرة بمفرده.

ويعتبر قرمان أن العامل الاقتصادي يبقى الأكثر تأثيرا، في ظل استمرار البطالة، وغلاء المعيشة، وضعف الآفاق الاجتماعية، وهي عوامل تدفع عددا من الشباب إلى اعتبار الهجرة خيارا رغم مخاطرها.

كما يبرز التصريح الدور الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي، لأول مرة، كوسيلة تنظيمية مباشرة لتجميع الشباب وتوجيههم نحو نقاط العبور، وهو ما يفرض، بحسب الباحث، تطوير أدوات جديدة للرصد والتعامل مع هذا النوع من التعبئة الرقمية.

يرى المحلل السياسي أن التدخل الأمني المغربي الواسع لإحباط محاولات العبور وإعادة عدد كبير من المهاجرين يؤكد استمرار التزام المملكة بالتعاون الأمني مع إسبانيا، وينفي الاتهامات التي تعتبر الهجرة وسيلة للضغط السياسي.

أما عن اللقاء الذي جمع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون برئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، فاعتبر قرمان أن هذا التقارب يطرح تساؤلات سياسية، دون وجود معطيات تثبت أن المغرب استخدم ملف الهجرة كورقة ضغط.

ويخلص الباحث إلى أن إدارة المغرب لهذا الملف تجمع بين التعاون الأمني مع مدريد والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، معتبرا أن الحديث عن “ورقة ضغط” يظل مجرد فرضية تفتقر إلى الأدلة.

ويشير التصريح إلى أن تداعيات الأزمة لم تعد تقتصر على العلاقات المغربية الإسبانية، بل امتدت إلى المستوى الأوروبي، خاصة بعد المواقف الصادرة عن مسؤولين أوروبيين بشأن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس اتساع أبعاد الملف.

ويخلص الباحث إلى أن مواجهة الهجرة غير النظامية تقتضي تجاوز المقاربة الأمنية وحدها، عبر اعتماد رؤية متكاملة تجمع بين التعاون الأمني، والحوار السياسي، والاستثمار في التنمية ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.

ويؤكد المحلل السياسي، في ختام تصريحه أن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وشراكاته الدولية، قادر على لعب دور محوري في تدبير هذا الملف، شريطة أن يظل التعاون قائما على المسؤولية المشتركة والثقة المتبادلة، بعيدا عن منطق الابتزاز أو التوظيف السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

المرصد المغربي لحماية المستهلك يدعو إلى الاحتكام للقانون وتعزيز التنافس في قطاع الترجمة

المنشور التالي

غضب سياسي في تونس بعد تصريحات تبون بشأن أمن البلاد

المقالات ذات الصلة