بقلم الدكتور سليمان العمراني
أصدر بنك المغرب دراسة أعدها ثلاثة من خبرائه، ونشرها الجمعة الأخير 9 أكتوبر 2026، بعنوان “Monnaie digitale de Banque Centrale: Enjeux et enseignements pour le Maroc”/”العملة الرقمية للبنك المركزي: رهانات ودروس للمغرب”. وتكتسي هذه الدراسة أهمية خاصة، لكونها قاربت رهانات اعتماد المغرب للعملة الرقمية وتوقفت عند الدروس التي يمكن أن تكون مفيدة للسياق الوطني. لكن الأهم في الدراسة هو اجتهادها لتقديم مفهوم العملة الرقمية للبنك المركزي وأهدافها، واستعرضت التجارب الدولية والدروس المستفادة منها، وتوقفت بصفة خاصة عند الفرص التي يمثلها اعتماد الدرهم الرقمي وكذلك التحديات والمخاطر التي تشوب هذا الورش.
ورغم أهمية الدراسة، فإن إصدارها قد عرف بعض التأخر. ذلك أن بنك المغرب في تقريره السنوي برسم سنة 2021 الذي قدمه للملك يوم 30/07/2022، قد تعرض لموضوع العملة الرقمية الوطنية، مشيرا إلى أنه “بنك المغرب” أحدث بداية سنة 2021 لجنة كلفها بدراسة جدوى إصدارعملة رقمية للبنك المركزي وكيفيات الإصدار وتداعيات هذا القرار، كما أطلق مشاورات مع الأطرافالمعنية وعقد اجتماعات منتظمة مع هيئات دولية من أجل حسن الإحاطة بالإشكاليات القائمة والاستفادة من التجارب المتقدمة. ويتأكد تأخر المغرب عن مسار التحول للعملة الرقمية في بلدان العالم، أن البنك المركزي في ذات التقرير أفاد أن %90 من البنوك المركزية عالميا التي شملها بحث البنك سنة 2021 أعلنت أن مشاريع العملات الرقمية لبلدانها بلغت مراحل متقدمة، وهي النسبة التي لم تكن تتجاوز%65 سنة2017.
ومهما يكن، فإن التأخر في الوصول خير من عدم الوصول، فدراسة بنك المغرب تستجيب لحاجة سياقية وطنية معتبرة. فإذا تجاوزنا معضلة حجم تداول الكاش اليوم والذي يتجاوز 460 مليار درهم، وكون الدرهم الرقمي سيشكل مدخلا لمعالجة هذه الآفة، فإن الجدير بالتوقف عنده اليوم في سياق دراسة البنك المركزي، هو أن الدرهم الرقمي سيشكل رافعة أساسية للتحول الرقمي الوطني الشامل، وسبيلا لإدماج أنشطة الاقتصاد غير المهيكل في دورة الحياة الاقتصادية، فضلا عن الفوائد التي ستتحقق للأفراد وللقطاع الخاص وللمالية العمومية.
ومن جانب آخر فإن اعتماد الدرهم الرقمي هو حتمية يفرضها السياق العالمي الذي يتجه لاعتماد العملة الرقمية، ولا سبيل للاندماج الفاعل للمغرب في الاقتصاد الرقمي العالمي بغير اعتماد الدرهم الرقمي.
لكن يتعين الانتباه إلى أمر منهجي فطنت له دراسة البنك المركزي، وهو ضرورة تعبئة شروط نجاح الانتقال للعملة الرقمية، ذلك أن الانتقالات النوعية في حياة الدول كما هو الحال بالنسبة للعملة الرقمية تستدعي منهجية مؤطرة تحت طائلة المقاومات والممانعات المفضية للفشل والارتدادات.
وفي تقديرنا فإن من مقومات نجاح التجربة المغربية للتحول إلى الدرهم الرقمي، العمل أولا على الحد من الاختلالات التي ما تزال تشوب علاقة الأبناك بزبنائها فيما يخص بعض المعاملات المالية، والمواجهة الحازمة لأساليب النصب والاحتيال التي تستهدف فئة من أولئك الزبناء، ثم لابد ابتداء من تقييم محدودية تجربة المالية الرقمية والتي تعتبر فيها المنظومة البنكية فاعلا محوريا، وبحث العوامل المؤثرة فيها.
وفي مقام ثالث، يتعين تعبئة مدخلات بناء الثقة في نظام العملة الرقمية، من خلال التواصل والنقاش العموميين، والعمل التشاركي لبنك المغرب رابعا مع كافة الشركاء المعنيين خصوصا القطاعات الحكومية والقطاع الخاص والإعلام والمجتمع المدني والمجتمع الأكاديمي.
إن استمرار هيمنة تداول “الكاش” لهو تحد قائم الذات، ولكن ليس قدرا محتوما، فيمكن مواجهته والحد منه بتعبئة كل المداخل الضرورية مما قالت به دراسة بنك المغرب وألحت عليه هذه المقالة.
وفي الختام، يلزم التنبيه، اعتبارا للتأخر الذي اعترى خروج دراسة بنك المغرب(قرابة 5 سنوات)، أن يعتمد هذا الأخير خارطة طريق دقيقة لاعتماد الدرهم الرقمي، محددة في الإجراءات وفي الزمان وفي التكلفة، وواضحة من حيث الآثار المرجوة، وذلك بمقاربة تشاركية واسعة، ويعلنها للعموم.