الإنصاف والمصالحة.. امتحان الدولة والمجتمع

بقلم الدكتورة إيمان الرازي

لا يختلف إثنان على أن الأمم التي تمتلك الشجاعة لمواجهة تاريخها لا تفعل ذلك رغبة في اجترار الألم، وإنما لأنها تدرك أن المستقبل الذي لا يتصالح مع الحقيقة يظل أسير ما يتوهم أنه تجاوزه. 

ومن نقطة الانطلاق هاته تحديدا، ينبغي أن نعيد طرح سؤال الإنصاف والمصالحة في المغرب: ماذا أنجزنا فعلا في بناء دولة الحق والقانون؟ وما الذي ما زال عالقا بين الاعتراف المعلن بالماضي والضمانات الفعلية التي تحول دون تكراره؟

لقد شكلت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة منعطفا مهما في المسار الحقوقي والسياسي المغربي، واعترافا مؤسساتيا بضرورة معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في سياق وطني ودولي كانت فيه المطالبة بالحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار قد أصبحت جزءا لا يتجزأ من معايير الانتقال الديمقراطي. ولم تكن هذه التجربة منحة منفصلة عن تاريخ المجتمع، فقد جاءت في سياق نضالات طويلة خاضتها الحركة الوطنية والديمقراطية والحقوقية، وتحمل خلالها مناضلون ومناضلات، وضحايا وعائلاتهم، كلفة باهظة من الاعتقال والحرمان والمعاناة، دفاعا عن الحرية والكرامة والمشاركة السياسية.

وإذا كان الاعتراف الرسمي بما جرى خطوة ذات دلالة، فإن قيمته التاريخية لا تكتمل بمجرد تسجيلها في الذاكرة المؤسساتية، ولا بمجرد استحضارها في الخطب والمناسبات. لأن العدالة تراكم مسار كبير لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتصحيح العلاقة بين السلطة والحقوق، وإرساء قواعد سياسية وقانونية تجعل الانتهاك أمرا غير قابل للتبرير أو التطبيع أو التكرار لأنها انتقال من منطق الدولة التي تطالب المجتمع بالصمت إلى منطق الدولة التي تستمد مشروعيتها الديمقراطية من احترام الحقوق، ومن خضوع السلطة للقانون، ومن الاعتراف بكرامة الإنسان باعتبارها أساسا لا يقبل المساومة. ومن هنا، فإن السؤال عن حصيلة هيئة الإنصاف والمصالحة يجب أن يتجه إلى قياس الأثر الذي أحدثته توصياتها في بنية المؤسسات، وفي السياسات العمومية، وفي ضمانات الحريات، وفي علاقة المواطن بأجهزة الدولة. ما الذي نفذ من التوصيات؟ وما الذي يحتاج إلى استكمال؟ وإلى أي حد تحولت دروس الماضي إلى قواعد ملزمة في التشريع والممارسة؟ وهل أصبح مبدأ عدم التكرار ثقافة مؤسساتية راسخة، أم ما زال هدفا معلنا تتفاوت مسافة تحققه بحسب الظروف والتوازنات؟

إن طرح هذه الأسئلة ليس انتقاصا من أهمية التجربة، لكن إثارتها بحق دفاع عن معناها العميق، بإخضاع التجربة للتقييم الجاد، واستكمال ما لم يتحقق من أهدافها. والاعتراف بما أُنجز لا يفرض علينا الصمت عما تعثر، كما أن الإقرار بالنواقص لا يبرر إنكار المكاسب. تلك هي المسافة التي تفصل التفكير الديمقراطي المسؤول عن المزايدة السياسية، بمعنى أن نتمسك بالحقيقة في تعدد أبعادها، وأن نرفض في الوقت نفسه كل محاولة لتوظيفها في الانتقام أو التبرئة أو صناعة حصانات جديدة. فالعدالة الانتقالية التي لا تنتج ضمانات للمستقبل تظل ذاكرة من دون قوة مؤسساتية، والمصالحة التي لا تسندها حقوق مصونة تظل وعدا قابلا للانتكاس.

إن جوهر القضية يتجاوز الماضي ليثير طبيعة الدولة التي نريد بناءها، الدولة الديمقراطية ومدى قدرة هذه مؤسساتها على حماية المواطن من التعسف، وضمان حقه في التعبير والتنظيم والاختلاف، وإخضاع المسؤولين العموميين للمساءلة، وتمكين القضاء من ممارسة استقلاله، وصون الحق في الانتصاف الفعلي حين تتعرض الحقوق للانتهاك. ومن دون هذه الشروط، يصبح الحديث عن المصالحة معرضا للتحول إلى خطاب رمزي منفصل عن التجربة اليومية للمواطنين.

إن ضمان عدم التكرار يتحقق ببناء منظومة متكاملة من الضمانات القانونية والمؤسساتية والثقافية، ويتطلب في نفس السياق، تعزيز فعالية الرقابة، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الحقوق والحريات، وتطوير التربية على القضايا الوطنية وحقوق الإنسان، وحماية الذاكرة الوطنية من التشويه والانتقاء. كما يقتضي إدراك أن الكرامة لا تنفصل عن شروط العيش الكريم، وأن العدالة لا تكتمل في مجتمع تتسع فيه الفوارق الاجتماعية والمجالية، ويشعر فيه المواطنون بأن حقهم في المشاركة والتأثير لا يوازيه حق مماثل في الاستفادة من ثمار التنمية.

فلا يمكن للذاكرة أن تكون حية في مجتمع يطلب من ضحاياه أن يتحدثوا عن ماضيهم فيما لا يجدون ضمانات كافية لحماية حقوقهم في الحاضر. ولا يمكن للمصالحة أن تكتسب معناها الكامل إذا ظلت الحقيقة محصورة في الوثائق والتقارير وفقط، ولم تتحول إلى وعي جماعي وإلى سياسات تمنع إعادة إنتاج شروط الانتهاك ظهور الكوميسر عرشان بلا استحياء نموذجا.

إن العلاقة بين الذاكرة والديمقراطية لعلاقة تأسيس، لأن الذاكرة وحدها من تكشف حدود السلطة حين تنفلت من القانون، والديمقراطية تقدم الأدوات التي تمنع السلطة من العودة إلى تلك الحدود المنتهكة.

ومن هذا المنطلق، فإن الجدل الذي يثيره حضور محمود عرشان في مجلس المستشارين، وما يرتبط باسمه من أسئلة في الذاكرة الحقوقية والسياسية، ينبغي أن يقرأ ضمن النقاش الأوسع حول العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين المسؤولية العمومية والذاكرة الجماعية، وبين احترام المؤسسات وحق المجتمع في مساءلة تاريخه. وليس من شأن الموقع المؤسساتي أن يلغي مشروعية الأسئلة، كما أن إثارة الأسئلة لا تمنح أحدا الحق في إصدار أحكام مسبقة أو إطلاق اتهامات لا تستند إلى وقائع موثقة.

إننا أمام مبدأ ديمقراطي واضح مؤداه أن لا حصانة سياسية في وجه النقاش العمومي، ولا إدانة خارج القانون، وأن المساءلة السياسية والأخلاقية ليست هي المسؤولية الجنائية فلكل منهما طبيعتها وشروطها ومجالها. ومن واجب الخطاب الحقوقي المسؤول أن يحافظ على هذا التمييز، لكي يحمي المساءلة من التوظيف، ويجعلها أكثر قوة ومصداقية. فالدفاع عن الضحايا لا يحتاج إلى المبالغة، والحقيقة لا تحتاج إلى أحكام مسبقة، والعدالة لا تستقيم إلا بالوقائع والإجراءات والضمانات.

لكن احترام المؤسسات لا ينبغي، في المقابل، أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق النقاش أو تحصين الشخصيات العامة من الأسئلة المشروعة، فالمؤسسة التشريعية هي في الأصل فضاء للمساءلة، وتداول الرأي، وتكريس قيم المواطنة. ومن حق المجتمع أن يناقش الدلالات السياسية والحقوقية لحضور الفاعلين في مؤسساته، في إطار القانون واحترام الكرامة الإنسانية. وهنا تبرز مسؤولية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بما راكمه من تاريخ نضالي ومن إسهام في المعارك الديمقراطية والحقوقية، في الدفاع عن الذاكرة باعتبارها جزءا من المشروع الديمقراطي، وبجعل قيم الحرية والكرامة والعدالة والمساواة موجهة لمواقفه ومبادراته الراهنة. إن الوفاء الحقيقي لتضحيات المناضلين والضحايا هو أن تتحول تلك التضحيات إلى قوة اقتراح ومرافعة وتشريع ورقابة، وإلى دفاع يومي عن الحقوق حيثما كانت مهددة..

كما أن المطلوب منا كجزء من الأغلبية الحكومية العمل على ترسيخ أكثر فعالية لثقافة عمومية تعتبر حقوق الإنسان معيارا لتقييم السياسات والقرارات والممارسات، وإدماج دروس الذاكرة الحقوقية في التربية على المواطنة، وتشجيع البحث والتوثيق، وصيانة أرشيف الانتهاكات، وضمان حضور أصوات الضحايا في النقاش العام، لأن المجتمع الذي لا يحفظ ذاكرته يترك المجال لتأويلها وفق موازين القوة، أما المجتمع الذي يصونها في إطار من الحرية والمسؤولية، فإنه يمنح أجياله الجديدة القدرة على فهم تاريخه، وتحصين مستقبله من تكرار مآسيه.

ولا ينبغي أن يفهم هذا التوجه باعتباره دعوة إلى الارتهان للماضي أو تعطيل الحاضر بسجالات لا تنتهي. على العكس من ذلك تماما، فمواجهة الماضي بمسؤولية هي التي تسمح بتحرير المستقبل من أثقاله، لأن كلا من من الذاكرة والمصالحة شرطان متكاملان مترابطان ومتسلسلان لبناء استقرار ديمقراطي يستند إلى الثقة، لا إلى الصمت، وإلى الاقتناع بدل النسيان، وإلى قوة القانون في وجه العبث لأن الاستقرار الذي يستند إلى العدالة أكثر رسوخا من استقرار يراهن على انقضاء الزمن حتى تخفت الأسئلة.

إننا لا ندعو إلى الانتقام من أحد، ولا إلى محاكمة الأشخاص في المجال الإعلامي أو السياسي خارج الضمانات القانونية. لكننا نرفض أن يتحول الحرص على الاستقرار إلى دعوة لطي الأسئلة، لأن منسوب الثقة سيرتفع حين يشعر المواطن بأن الحقيقة ليست عبئا على المؤسسات، وأن الحقوق ليست رهينة لموازين النفوذ، وأن القانون يسري على الجميع.

لقد آن الأوان للانتقال من منطق الاحتفاء بما تحقق إلى منطق استكمال ما تعهدنا به، ومن الذاكرة بوصفها استحضارا للماضي إلى الذاكرة بوصفها معيارا للحاضر وأفقا للمستقبل. وهذا يقتضي شجاعة سياسية في الاعتراف بالنواقص، ووضوحا في تحديد المسؤوليات، واستعدادا مؤسساتيا لتقييم التجربة، وإرادة جماعية لحماية المكتسبات الديمقراطية من التراجع أو التفريغ من مضمونها.

إن موقفنا واضح: لا نريد الانتقام من أحد، لكننا لن نقبل أن يصبح النسيان شرطا للمصالحة، أو أن تتحول المؤسسات إلى جدار يفصل الحاضر عن مسؤوليات التاريخ. إن المغرب الديمقراطي الذي نناضل من أجله بني بامتلاك الشجاعة للإجابة عن كل الأسئلة الحارقة المرتبطة بالمصالحة الحقيقية التي لا تطلب من الضحايا أن ينسوا بقدر ما تضمن ألا تتكرر معاناتهم، كما لا تطلب من المجتمع أن يتخلى عن حقه في المعرفة، لكن في المقابل تفتح أمامه الطريق لفهم تاريخه ومساءلة حاضره.

إن الوقوف عند كل هذا هو جزء من معركة أوسع من أجل دولة المؤسسات، وربط قويم للمسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ حقيقي للمواطنين أمام القانون، لأنها معركة لا تنفصل فيها الديمقراطية السياسية عن العدالة الاجتماعية، ولا ينفصل فيها حفظ الذاكرة عن ضمان الحقوق، ولا تنفصل فيها شرعية المؤسسات عن قدرتها على الاستجابة لانتظارات المجتمع، كأمانة سياسية وأخلاقية لا يجوز التفريط فيها.

والرهان اليوم أن نمنع الماضي من العودة، وأن نجعل المستقبل جديرا بتضحيات الذين ناضلوا من أجل الحرية والكرامة، لأن ذلك هو المعنى السياسي العميق للإنصاف والمصالحة، وتلك هي المسؤولية التي لا يجوز لأي قوة ديمقراطية أن تتنصل منها: أن تبقى الحقيقة ممكنة، والعدالة مطلبا مشروعا، والذاكرة حقا جماعيا، والديمقراطية ممارسة يومية تحمي الإنسان من تعسف السلطة، وتحمي السلطة نفسها من ظهور من يلطخون صورتها ويخدشون مجهودها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

أنباء عن تدخل البحرية الملكية لإبعاد قوارب صيد قرب الكويرة

المنشور التالي

وكالة بيت مال القدس تدعم مبادرة رياضية فلسطينية لفائدة مرضى السرطان

المقالات ذات الصلة