بين الردع والثقة.. كيف تحقق الامتحانات التوازن في مواجهة الغش؟

شهدت امتحانات البكالوريا هذه السنة اعتماد إجراءات جديدة تروم تعزيز نزاهة الاستحقاقات الإشهادية، من بينها استعمال أجهزة الكشف عن وسائل الغش الإلكترونية داخل مراكز الامتحان. وبينما تراهن الجهات المشرفة على هذه التدابير للحد من الظاهرة وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين، أثار استخدامها نقاشا واسعا حول تأثيرها النفسي والتربوي على الأجواء داخل قاعات الامتحان، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات المراقبة وحق المترشحين في اجتياز اختباراتهم في ظروف ملائمة.

وفي هذا السياق، أكد عبدالله غميمط، الكاتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم FNE في تصريح خص به THE PRESS، أن محاربة الغش تمثل هدفا مشروعا وضروريا للحفاظ على مصداقية الامتحانات والشهادات الوطنية، مشيرا إلى أن اعتماد أجهزة الكشف عن وسائل الغش ينبغي أن يتم ضمن مقاربة تربوية شاملة تراعي الجوانب النفسية للمترشحات والمترشحين.

وأوضح المتحدث ذاته، أن هذه الأجهزة ساهمت في الحد من بعض أشكال الغش الإلكتروني، غير أنها خلفت لدى عدد من المترشحين حالة من التوتر والارتباك، خاصة في ظل ضعف التواصل حول طبيعة عملها وحدود استخدامها، مضيفا أن نجاح أي إجراء تنظيمي لا يقاس فقط بقدرته على الضبط والمراقبة، بل أيضا بمدى مساهمته في توفير مناخ نفسي وتربوي يساعد المترشحين على التركيز وإبراز مؤهلاتهم الحقيقية.

وفيما يتعلق بسير الامتحانات خلال أيامها الأولى، سجل المتحدث مجموعة من الملاحظات، من أبرزها تفاوت طرق استعمال أجهزة الكشف بين المراكز، وعدم توحيد الإجراءات المصاحبة لها، فضلا عن بعض حالات الارتباك التي رافقت عمليات المراقبة عند ولوج المترشحين إلى مراكز الامتحان.

وأشار الكاتب الوطني، إلى أن التركيز المفرط على الجانب الأمني والزجري قد يطغى أحيانا على البعد التربوي للامتحان، داعيا إلى تجنب التعامل مع المترشح بمنطق الشك المسبق، والحرص على إخضاع الجميع لقواعد واضحة ومنصفة تحفظ الثقة والكرامة في الآن نفسه.

واعتبر غميمط، أن ظاهرة الغش تتجاوز الجانب التقني المرتبط بالأجهزة المستعملة، لكونها تعكس اختلالات أعمق داخل المجتمع، مبرزا أن الغش في المنظومة التربوية يمثل امتدادا لظواهر الفساد والتحايل وضعف المحاسبة، ما يجعل معالجته مرتبطة أيضا بترسيخ ثقافة النزاهة والاستحقاق داخل مختلف مؤسسات المجتمع.

كما ربط تنامي الظاهرة بأزمة المناهج والبرامج التعليمية وأنماط التقييم المعتمدة، موضحا أن عددا من المتعلمين باتوا ينظرون إلى الامتحان باعتباره اختبارا للحفظ والاستظهار أكثر من كونه فضاء لتقييم الكفايات والقدرات الفكرية والإبداعية، الأمر الذي يستدعي فتح نقاش وطني حول إصلاح منظومة التقييم التربوي.

وفيما يخص سبل تحقيق التوازن بين محاربة الغش وضمان ظروف مناسبة للمترشحين، شدد المتحدث على ضرورة اعتماد مقاربة شمولية لا تختزل الحل في الوسائل التقنية فقط، بل تشمل تعزيز التربية على قيم النزاهة منذ المراحل الدراسية الأولى، وتطوير المناهج وطرق التقييم، إلى جانب توفير ظروف استقبال وتأطير ومواكبة نفسية جيدة داخل مراكز الامتحان.

وختم بالتأكيد على أن محاربة الغش مسؤولية جماعية تتقاسمها المدرسة والأسرة والإعلام ومختلف مؤسسات المجتمع، معتبرا أن الرهان الأساسي يتمثل في ترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق أكثر من كونه مجرد مواجهة تقنية مع وسائل الغش الحديثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

94 في المئة من لاعبي المنتخب المغربي ينشطون خارج البلاد.. رقم يفوق المعدل العالمي

المنشور التالي

القضاء يبرئ مصطفى بودرقة من جميع التهم في ملف “مركز الشاطئ” بأكلو

المقالات ذات الصلة