جنيف – جواد الشفدي
في قلب جنيف، حيث تتقاطع الدبلوماسية الدولية مع البحث الأكاديمي والعمل المدني والإعلام، شاركت «THE PRESS»، يومه السبت 3 أكتوبر 2026، في مسار استكشافي نظم ضمن فعاليات «أسبوع الديمقراطية»، خُصص للتعرف عن قرب على عدد من المؤسسات والفضاءات التي تسهم، كل من موقعها، في ترسيخ قيم المشاركة والحوار وخدمة المصلحة العامة. وقد حملت الجولة فكرة مركزية مفادها أن الديمقراطية الحية لا تختزل في الانتخابات وصناديق الاقتراع، بل تستند كذلك إلى مجتمع مدني حيوي، وإعلام قادر على إتاحة المعلومة، ومؤسسات تنتج المعرفة وتفتح المجال أمام النقاش العمومي.
وانطلقت الجولة من «دار المؤسسات»، حيث تم تسليط الضوء على دور المؤسسات الخيرية في خدمة الصالح العام ودعم المبادرات ذات الأثر المجتمعي. وشكل اللقاء مناسبة للتعرف على تجربة «المؤسسات السويسرية»، وهي جمعية تأسست قبل أكثر من عشرين عاما وتجمع عددا من المؤسسات المانحة في سويسرا، فضلا عن تجربة مؤسسة «لويس جانتي». وأبرزت النقاشات أن العمل الخيري الحديث لم يعد يقتصر على تقديم الدعم المالي، بل أصبح فاعلا في مواكبة التحولات الاجتماعية، وتشجيع المبادرات المدنية، وخلق مساحات للتعاون بين المجتمع والمؤسسات والفاعلين في مجالات المعرفة والإعلام.

وكان الإعلام في صلب المحطة الثانية من المسار، التي احتضنها فضاء «البرج المشترك»، باعتباره مكانا مخصصا للإعلام والنقاش الديمقراطي والابتكار. وتم خلال هذه المحطة التوقف عند العلاقة بين الإعلام والعمل الخيري، والدور الذي تؤديه وسائل الإعلام في بناء فضاء عمومي قائم على المعلومة والنقاش والتعددية. فالوصول إلى المعلومة لا يمثل مجرد خدمة يقدمها الإعلام، وإنما يعد أحد مقومات الممارسة الديمقراطية، لأن المواطن القادر على الوصول إلى معلومة موثوقة يكون أكثر قدرة على تكوين موقفه والمشاركة الواعية في الشأن العام.
وفي «دار السلام»، اتسعت زاوية النقاش لتشمل العلاقة بين الديمقراطية والبحث العلمي والدبلوماسية والتعاون الدولي، من خلال إبراز دور معهد الدراسات العليا الدولية والتنمية ومركز ألبرت هيرشمان للديمقراطية. وأظهرت هذه المحطة أهمية المعرفة والبحث الأكاديمي في فهم التحولات التي تواجهها الديمقراطيات المعاصرة، وضرورة بناء جسور مستمرة بين الجامعة وصناع القرار والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية.

واختتم المسار عند «بوابة الأمم»، في قلب جنيف الدولية، حيث كان الموعد مع التعددية والحوار والتعاون الدولي. وهي محطة تختزل جانبا من خصوصية جنيف باعتبارها فضاء يجمع الدول والمنظمات الدولية والباحثين والفاعلين المدنيين حول طاولة الحوار، في وقت تواجه فيه الديمقراطية عالميا تحديات مرتبطة بالثقة والمشاركة والوصول إلى المعلومة وقدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات المجتمعات.
ومن خلال مختلف محطات هذه الجولة، برزت رسالة تتجاوز حدود جنيف: الديمقراطية ليست حدثا موسميا يبدأ بالحملة الانتخابية وينتهي بإعلان النتائج، وإنما ممارسة يومية تحتاج إلى مجتمع مدني قوي، وإعلام مسؤول ومستقل، ومعلومة متاحة، وبحث علمي رصين، ومؤسسات تؤمن بالحوار والمشاركة. وهي عناصر تجعل من «أسبوع الديمقراطية» فرصة ليس فقط للاحتفاء بالديمقراطية، وإنما للتفكير في الشروط التي تجعلها أكثر حيوية وقدرة على الاستمرار.
حقوق الصور: © لارا كونزي بيدروسا / معهد جنيف للدراسات العليا