كشف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن الصحراء، عن تطور لافت في طبيعة المسار السياسي خلال 2026، مع انتقال المفاوضات المباشرة بين المغرب والبوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، إلى بحث ترتيبات أكثر تفصيلا تتعلق بمرحلة انتقالية محتملة، من بينها إنشاء مجلس انتقالي وإعداد اتفاق إطار.
ويرى محمد سالم عبد الفتاح، المختص في شؤون الصحراء المغربية في تصريح خص به THE PRESS، أن التطور الأبرز لا يتمثل فقط في استئناف الاتصالات، وإنما في انتقال النقاش إلى تفاصيل مرتبطة بهندسة التسوية.
من استئناف المفاوضات إلى هندسة التسوية
يقول عبد الفتاح إن الجديد و الأهم هو أن التقرير لا يكتفي بتوثيق عودة الاتصالات، وإنما يعكس انتقال النقاش إلى هندسة محتملة للتسوية، بعد عقد ثلاث جولات مباشرة خلال 2026 بين المغرب والبوليساريو بمشاركة الجزائر وموريتانيا.
فقد دخلت إلى النقاش قضايا مثل المرحلة الانتقالية، والمجلس الانتقالي، والأمن، وتقاسم الموارد، والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والانتخابات، إلى جانب العمل على مشروع اتفاق إطاري انتقالي. هذه المعطيات تشير فعلا إلى تجاوز مرحلة الاكتفاء بعرض المواقف نحو بحث كيف يمكن بناء تسوية وتنظيم مرحلة ما بعد الاتفاق، وهو تحول نوعي مقارنة بفترات الجمود السابقة.
فالعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة باتت تدشن مرحلة التحضير للتسوية، بحيث وصلت الى نقاش البحث عن عناصر وآليات يمكن أن تشكل، إذا حصل التوافق عليها، اتفاقا مستقبليا بين الأطراف على أساس مرجعية المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
المجلس الانتقالي.. آلية لمرحلة ما بعد الاتفاق؟
ويكتسب الحديث عن المجلس الانتقالي أهمية خاصة، باعتباره جزءا من ترتيبات مرحلة انتقالية محتملة، إلى جانب الأمن والمصالحة ونزع السلاح وإعادة الإدماج والانتخابات والموارد.
ويرى الخبير أن الحديث عن المجلس الانتقالي يعني أن الأطراف بدأت تبحث في آلية مؤقتة لإدارة بعض مقتضيات المرحلة التي قد تفصل بين الاتفاق السياسي وإقامة المؤسسات الدائمة، وأن الاتفاق الإطاري الذي عملت عليه الأمم المتحدة والولايات المتحدة يمكن أن يوفر الإطار السياسي لتنظيم قضايا الانتقال، بما فيها الأمن، المصالحة، نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والانتخابات والموارد.
أما سياسيا، فتكمن أهمية هذا النقاش في أنه يفتح المجال لمعالجة آثار النزاع، من خلال ترتيبات تدريجية تنقل الوضع من حالة الصراع إلى مؤسسات سياسية مستقرة. وفي حال تم الاتفاق مستقبلا على نزع السلاح وإعادة الإدماج، فقد تشكل المرحلة الانتقالية مدخلا لتحويل العناصر المرتبطة بالبنية المسلحة للنزاع والمتواجدة سواء بمخيمات تندوف او في مناطق خلف الجدار، نحو أدوار مدنية وسياسية داخل المؤسسات الجديدة.
وحسب المتحدث ذاته، فإن طبيعة الترتيبات المطروحة، توحي بشكل الرؤية والقرار الأممي، والتي باتت تسعى الى تفكيك البوليساريو عبر صيغة توافقية تجمع أطراف النزاع المفتعل. لذلك سيكون العامل الحاسم هو طبيعة المجلس نفسه، خاصة مدته المحددة، وصلاحياته، ومهامه، الى جانب التوافق حول مسار ينتهي إلى مؤسسات دائمة، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع سياسي مفتوح.
الحكم الذاتي أساس التفاوض
ويشرح عبد الفتاح طبيعة الخلافات القائمة بأن جوهر الاختلاف ما يزال مرتبطا بالمآل السياسي النهائي، المغرب قدم مشروع نظام أساسي يطور مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007، بينما لا تزال البوليساريو تتمسك بطروحات متجاوزة توظف من خلالها شعار تقرير المصير والاستفتاء مطالبة بضمانات لما بعد التفاهم حول الحل السياسي.
وبالرغم من أن دخول خصوم المملكة في التفاوض حول تفاصيل مشروع الحكم الذاتي، يعد قبولا مسبقا به من حيث المبدأ، فالتقرير نفسه يؤكد أن الوثيقة المغربية هي أساس للتفاوض.
كما الخلاف بين الأطراف يمتد إلى كيفية ممارسة تقرير المصير، وطبيعة الضمانات الدولية، وشكل المرحلة الانتقالية، والترتيبات الأمنية والمؤسساتية التي يمكن أن تسبق التسوية النهائية، لكن يبدو ان هناك سقف واضح للتفاوض على اساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وهنا تكمن أهمية التطور الحالي، فرغم استمرار الخلاف حول القضايا الجوهرية، فإن هذه الخلافات أصبحت تناقش داخل مسار تفاوضي له إطار أكثر تحديدا، بدل أن تبقى مجرد مواقف متقابلة خارج عملية تفاوضية فعالة.
هل بات الاتفاق أكثر واقعية؟
ورغم استمرار الخلافات وانعدام الثقة، يرى المختص في شؤون الصحراء المغربية أن طبيعة النقاش الحالي تعكس زخما سياسيا مختلفا عن السابق قائلا: “المعطيات الحالية تجعل هذا الاحتمال أكثر واقعية من السابق، فوجود مفاوضات مباشرة ومشاريع مكتوبة واتفاق إطاري قيد البحث وترتيبات انتقالية محتملة يعكس زخما سياسيا حقيقيا، وليس مجرد استئناف شكلي للمسار”.
وبالرغم من ان الأمين العام، لا يزال يسجل استمرار انعدام الثقة، وان كان القرار الاممي 2797، قد حدد جوهر التسوية نفسها، المتمثلة في مبادرة الحكم الذاتي، مضيفا أن المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة الأطراف، وخاصة الجزائر والبوليساريو، على الانتقال من طرح الشروط والمواقف إلى التفاوض الفعلي حول تفاصيل الإطار المطروح، وعلى قدرة الوسطاء على تضييق الفجوة بين المواقف، بعيدا عن الشعارات والبروباغاند التي يعزف عليها خصوم المملكة.
كما أن نجاح أي اتفاق لن يرتبط فقط بالتوصل إلى صيغة سياسية، بل بوجود ترتيبات قابلة للتنفيذ بشأن الأمن ونزع السلاح وإعادة الإدماج والانتخابات والمرحلة الانتقالية والضمانات الدولية.فالتقرير وإن لم يعلن قرب اتفاق نهائي، لكنه يؤكد أن المفاوضات دخلت مرحلة أكثر تقدما من مجرد إدارة الجمود، بحيث باتت تناقش شكل التسوية وآليات الانتقال إليها.
ويبقى الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان هذا الإطار الجديد سيولد إرادة سياسية كافية لتحويل المشاريع المطروحة إلى اتفاق متوافق عليه، من خلال استثمار هذا الزخم المتحقق على مستوى الوساطة الأممية.
من إدارة النزاع إلى بناء السلام
ويمنح إدراج المرحلة الانتقالية ونزع السلاح وإعادة الإدماج والانتخابات والمصالحة للمفاوضات بعدا يتجاوز مجرد البحث عن صيغة سياسية لإنهاء النزاع.وعليه فإن القيمة السياسية الأبرز لما ورد في تقرير غوتيريش تتمثل في أن مفهوم الانتقال نفسه أصبح جزءا من هندسة النقاش حسب عبد الفتاح.
وأضاف المصدر ذاته، أن هذه إشارة مهمة إلى أن المفاوضات بدأت تقترب من مرحلة التنزيل، حول ما بعد الاتفاق و الوضع العسكري، الى جانب إعادة الإدماج، وبناء الشرعية المؤسساتية، لتصب في الانتقال إلى الحكم الذاتي.
وفي حال تمكنت الأطراف من الإجابة عن هذه الأسئلة ضمن اتفاق واضح، فإن المرحلة الانتقالية ستنقل ملف الصحراء من منطق إدارة النزاع إلى منطق بناء السلام، وتنقل الجبهة الانفصالية من وضعية التنظيم المسلح إلى المشاركة السياسية، ومن التمثيل المرتبط بالنزاع إلى المؤسسات المنتخبة، والممارسة الفعلية للحكم الذاتي.
وهذه هي النقطة التي تجعل الحديث عن المجلس الانتقالي في التقرير واحدا من أكثر المؤشرات أهمية على طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها المفاوضات.
تفاوض على شروط التنزيل
وبحسب عبد الفتاح، فإن التحول الأبرز بالنسبة للمغرب يتمثل في انتقال النقاش من الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي إلى التفاوض حول شروط تطبيقه، خاصة وأن المملكة تعتبر أن أهمية هذا التطور تكمن في أنه ينقل النقاش إلى مساحة أكثر عملية، لأنها لم تعد مطالبة بالدفاع عن مقترح الحكم الذاتي، وإنما أصبحت أمام تفاوض حول شروط تنزيله.
وفي هذه المرحلة تحديدا سيكون حاسما التأكد من أن كل ترتيبات الانتقال، بما فيها المجلس الانتقالي، تعمل باتجاه هدف واحد هو إنهاء البنية التي غذت النزاع وتهيئة الظروف لإقامة مؤسسات الحكم الذاتي، وليس إنشاء وضع انتقالي جديد قابل للاستمرار بلا نهاية.
ويخلص الخبير إلى أن التقرير يعكس، في تقديره، انتقالا في قواعد التفاوض بحيث يؤكد ان مبادرة الحكم الذاتي أصبحت الأساس الفعلي للنقاش، في حين يتم تجاوز الطرح الانفصالي، فيما تبرز المرحلة الانتقالية باعتبارها تمهد لتحويل الحل السياسي إلى بنية مؤسساتية قابلة للتنفيذ.
وهذا يمنح المملكة موقعا تفاوضيا أكثر قوة، باعتبار أن المعركة الدبلوماسية باتت تتركز حول صياغة شروط تنزيل الحكم الذاتي، وهي في تقديري المرحلة التي ستحدد إلى حد كبير طبيعة التسوية المقبلة ومآل الملف برمته.