الأرقام تغزو برامج الأحزاب.. والتنفيذ يظل الحلقة المفقودة

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، تتجه الأنظار إلى البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، وما تحمله من وعود والتزامات في ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والدعم الاجتماعي والصحة والتعليم والعدالة المجالية.

وفي قراءة تحليلية لهذه البرامج، يرى عبد الحكيم قرمان، الكاتب والمحلل السياسي والباحث في العلوم السياسية، في تصريح خص به THE PRESS، أن الاستحقاقات الحالية تشهد تحولا لافتا في طبيعة الخطاب الانتخابي، يتمثل في الانتقال من الشعارات العامة إلى تقديم أرقام والتزامات محددة، مقابل استمرار إشكال أساسي يتعلق بآليات التمويل والتنفيذ والتتبع.

ويقول قرمان إن البرامج الانتخابية الحالية أصبحت أكثر اعتمادا على الأرقام، مستشهدا بالتزامات تتعلق برفع الحد الأدنى للأجور، وخلق مناصب شغل، وتوسيع الدعم الاجتماعي، وتحسين المعاشات، وغيرها من الإجراءات التي تحدد في عدد من الحالات كلفة مالية وآجالا زمنية لتنفيذها.

وبحسب المحلل السياسي، فإن حزب التجمع الوطني للأحرار يلتزم، ضمن برنامجه الانتخابي، برفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، وخلق مليون منصب شغل، وخفض معدل البطالة إلى أقل من 9 في المائة بحلول سنة 2031، فيما يقدم حزب الأصالة والمعاصرة، وفق قراءته، التزامات تقدر كلفتها الإجمالية بـ350 مليار درهم على مدى خمس سنوات.

ويرى قرمان أن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم الوعود الانتخابية، وإنما بمدى توضيح مصادر تمويلها وكيفية تنزيلها على أرض الواقع.

ويطرح في هذا السياق سؤالا مركزيا: من أين ستأتي الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مختلف الالتزامات؟

وبحسب قراءته، فإن حجم الالتزامات المالية التي تعلنها الأحزاب يفرض نقاشا حول قدرتها على الانسجام مع وضعية المالية العمومية، خاصة في ظل العجز والمديونية والحاجيات الاجتماعية والاستثمارية المتزايدة.

وينقل قرمان عن أستاذ العلوم السياسية محمد الغالي قوله إن قيمة البرامج لا تقاس فقط بالأفكار والأرقام والجداول الزمنية، وإنما كذلك بقدرة الأحزاب على تعبئة الموارد المالية والبشرية والمؤسساتية اللازمة لتنفيذها.

ولا تتوقف الملاحظات التي يطرحها المحلل السياسي عند التمويل، إذ يعتبر أن جزءا من البرامج يفتقر إلى مؤشرات دقيقة تسمح بقياس مدى تنفيذ الوعود.

ويطرح مثالا على ذلك الالتزام بخلق مليون منصب شغل، متسائلا عما إذا كان الرقم يتعلق بمناصب شغل صافية أم إجمالية، وما إذا كانت هذه المناصب قارة أم موسمية، وكيف سيتم توزيعها قطاعيا ومجاليا، فضلا عن كيفية تتبع تنفيذ هذا الالتزام خلال الولاية الحكومية.

وبالنسبة إلى قرمان، فإن تحديد الآجال الزمنية دون مؤشرات أداء واضحة يجعل من الصعب تقييم حصيلة البرامج ومساءلة أصحابها بعد انتهاء الولاية.

وفي الجانب الاجتماعي والمجالي، يلفت قرمان إلى استمرار ما وصفه بـ”مغرب السرعتين”، في ظل التفاوت بين دينامية مشاريع البنية التحتية والتحديث الاقتصادي من جهة، والصعوبات التي تواجه فئات من المواطنين في مجالات القدرة الشرائية والصحة والتشغيل والخدمات العمومية من جهة أخرى.

ويرى أن غالبية البرامج الانتخابية تضع العدالة المجالية ضمن أولوياتها، غير أن التحدي يتمثل، بحسبه، في الانتقال من تشخيص الفوارق إلى تقديم آليات عملية لمعالجتها، خصوصا في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات والاستثمارات.

كما يعتبر أن الطبقة الوسطى لا تحظى، في نظره، بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الفئات الهشة والشباب، رغم ما تواجهه من ضغوط مرتبطة بالضرائب وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة على الولوج إلى بعض الخدمات.

ويقترح قرمان اعتماد ما يسميه “البرامج القابلة للقياس”، من خلال ربط كل التزام بمؤشر محدد يسمح بتقييم مدى تنفيذه، إلى جانب الكشف عن مصادر التمويل وتحديد الجدولة الزمنية لكل إجراء.

كما يدعو إلى اعتماد آليات مستقلة لتتبع تنفيذ البرامج، ونشر تقارير دورية حول مستوى الإنجاز، بما يسمح، وفق تصوره، بتحويل البرنامج الانتخابي من وثيقة للوعود إلى أساس للمساءلة السياسية.

وفي خلاصته، يعتبر قرمان أن برامج انتخابات 2026 عرفت، على مستوى الشكل، انتقالا من الخطاب العام إلى لغة الأرقام، لكنه يرى أن التحدي الأساسي يظل مرتبطاً بآليات التمويل والتنفيذ والتتبع.

ويخلص إلى أن الانتخابات، في تصوره، لا ينبغي أن تتحول إلى منافسة في حجم الأرقام والوعود، وإنما إلى تعاقد سياسي واضح بين الناخبين والمنتخبين، تكون فيه الالتزامات قابلة للقياس والتتبع والمساءلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

جمعية المحامين تعلق التوقف عن العمل وتتمسك بمطالبها المهنية

المنشور التالي

وزارة الداخلية تشدد على تسليم محاضر الانتخابات لممثلي لوائح الترشيح

المقالات ذات الصلة