فاطمة الزهراء قارا – صحفية متدربة
تحول مضيق هرمز إلى ساحة مفتوحة لحرب الروايات المتناقضة، وسط تجاذب حاد بين ادعاءات واشنطن وتأكيدات طهران، فبينما تؤكد الولايات المتحدة تأمينها للممر واستمرار تدفق ملايين البراميل النفطية عبره تحت “سيطرتها التامة”، تجزم إيران بإغلاقه الشامل وفرض سيادتها المطلقة عليه، مستثنية فقط السفن الحاصلة على إذن مسبق، ومحذرة من استهداف المخالفين، مما يضع العالم أمام علامة استفهام كبرى حول الحقيقة الميدانية لهذا الشريان الحيوي.
وتتجلى هذه المواجهة بوضوح بين أرقام واشنطن القياسية وقبضة طهران الحديدية، حيث يظل مضيق هرمز ساحة لحرب إعلامية وميدانية محتدمة، ففي الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة فرض سيطرتها وتأمين عبور رقم قياسي بلغ 40 سفينة و18 مليون برميل نفط في الأول من سبتمبر بعد تطهير الممرات من الألغام، تنفي إيران فتح المضيق وتؤكد إحكام سيادتها عليه، معتبرة الوعود الأمريكية “ضمانات زائفة”، وهو ما عكسته التطورات الأخيرة إثر إعلان الحرس الثوري عن انفجار ألغام بناقلتين، وتأكيد السعودية تعرض إحدى سفنها لهجوم إيراني دام.
وعلى النقيض من ذلك، تقدم شركات رصد الملاحة صورة مغايرة تماما للرواية الأمريكية حول مضيق هرمز، حيث وثقت شركة “كبلر” عبور ما بين 5 إلى 11 سفينة فقط مطلع الأسبوع، بمتوسط 13 سفينة يوميا. وتتقاطع هذه البيانات مع رصد مؤسسة “لويدز ليست إنتليجنس” التي سجلت قرابة 12 إلى 14 عملية عبور يومية، مؤكدة أن الأرقام أقل بكثير مما تدعيه واشنطن. ورغم تبرير هذا النقص باضطرار بعض السفن لإغلاق أجهزة التتبع تفاديا للاستهداف، جزم “مركز المعلومات البحرية المشترك” بأن الحركة التجارية لا تزال دون معدلاتها الطبيعية، مشددا على أن مستوى المخاطر لا يزال مرتفعا للغاية بسبب الألغام.
وفي محاولة لفهم هذا التناقض، يرجع خبراء الملاحة التضارب الصارخ بين الإحصاءات الأمريكية المرتفعة وبيانات مراقبي السفن إلى اختلاف معايير الرصد والقدرات التقنية، إذ أوضحت بريدجيت دياكون للجزيرة أن واشنطن قد تدرج السفن الصغيرة وغير التجارية في قوائمها، بخلاف الشركات التي تقتصر على سفن البضائع الضخمة. وهو ما أيده الخبير إيريك هوبر، مؤكدا أن الإحصاء الأمريكي يشمل زوارق الدعم والسفن التقليدية، مستفيدا من تكنولوجيا الأقمار الصناعية العسكرية التي ترصد حتى “الرحلات المظلمة” للسفن التي تغلق أجهزة إرسالها تفاديا للاستهداف. وبعيدا عن التفسير التقني، يملك كلا الطرفين دوافع سياسية واضحة لتضخيم نفوذه في المضيق الذي يمثل عقدة النزاع المستمر منذ 6 أشهر، حيث لفت السفير الأمريكي السابق هنري إنشير إلى أن إعلانات واشنطن بشأن تطهير المضيق أججت المواجهة، معتبرا أن مصلحة الطرفين تكمن في نهاية المطاف في وقف هذه التصريحات.