حقوقي: وفاة مغربي بإيطاليا تستوجب تحقيقا مستقلا وفعالا

أثارت وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير أثناء عملية توقيف بإيطاليا تساؤلات حقوقية وقانونية حول ملابسات الواقعة، ومدى احترام الضوابط القانونية المنظمة لاستخدام القوة من طرف عناصر إنفاذ القانون، خاصة في ظل تداول تسجيلات مصورة تظهر، بحسب المعطيات المتداولة، مراحل من عملية التوقيف.

وفي هذا السياق، قال عبد الرزاق بوغنبور، الناشط الحقوقي والمنسق السابق للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، في تصريح خص به THE PRESS، إنه “من منظور حقوقي، لا يمكن إصدار أحكام قطعية بشأن المسؤوليات قبل انتهاء التحقيقات الرسمية”، غير أن الوقائع المتداولة، خاصة التسجيلات المصورة، “تثير مؤشرات جدية تستوجب تحقيقا مستقلا وفعالا”.

وأوضح بوغنبور أن الحق في الحياة يعد من أسمى الحقوق التي تحميها المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما تكفله المادة الثانية من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وأضاف المتحدث ذاته، أن الوفاة التي تقع أثناء تدخل أمني تنتقل من مجرد حادث عادي إلى واقعة تستوجب رقابة قضائية صارمة، لأن الدولة تتحمل مسؤولية خاصة تجاه أي شخص يوجد تحت سيطرة أجهزتها الأمنية. ويزداد هذا الالتزام، وفق بوغنبور، عندما تظهر معطيات تفيد بأن الشخص كان في وضع صحي حرج أو يطلب المساعدة، إذ يصبح واجب المحافظة على حياته وتقديم الإسعافات اللازمة جزءا من الالتزامات القانونية الواقعة على عاتق عناصر إنفاذ القانون.

وأكد أن القراءة الحقوقية للواقعة تقتضي انتظار نتائج تحقيق مستقل، مع ضرورة فحص جميع الأدلة، بما فيها التسجيلات المصورة والتقارير الطبية وشهادات الشهود، لتحديد ما إذا كانت الوفاة ناجمة عن استعمال مشروع للقوة، أم عن تجاوز للضوابط القانونية أو إهمال في تقديم المساعدة، وهو ما قد يرتب مسؤوليات جنائية أو إدارية أو تأديبية وفق ما ستثبته التحقيقات.

وبخصوص استخدام القوة ورذاذ الفلفل ثم تقييد الضحية، أوضح الناشط الحقوقي أن القانون الدولي لا يمنع رجال الأمن من استعمال القوة عند الضرورة، لكنه يقيد ذلك بضوابط صارمة تتمثل في الشرعية والضرورة والتناسب والمساءلة، وهي المبادئ التي كرستها المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين لسنة 1990.

وأشار إلى أن تقييم مدى مشروعية استعمال رذاذ الفلفل أو وسائل التقييد لا يتم بشكل مجرد، وإنما بالنظر إلى طبيعة الخطر الذي كان يمثله الشخص، وما إذا كانت هناك وسائل أقل ضررا كان بالإمكان اللجوء إليها، وما إذا استمر استعمال القوة بعد زوال سببها.

وأضاف الناشط الحقوقي، أنه إذا صحت المعطيات المتداولة التي تفيد بأن الضحية كان يردد “لا أستطيع التنفس” ويظهر عليه تدهور واضح في حالته الصحية، فإن ذلك يفرض قانونا على عناصر الشرطة إعادة تقييم مستوى القوة المستعملة، ووقف أي إجراء قد يزيد من تعريض حياته للخطر، مع المبادرة فورا إلى تقديم الإسعافات الأولية واستدعاء المصالح الطبية المختصة.

وبحسب بوغنبور، فإن مدى احترام مبدأ التناسب لا يمكن الحسم فيه إلا بعد التحقيق، لكنه يبقى من بين أهم الأسئلة التي يتعين على القضاء الإيطالي الإجابة عنها استنادا إلى الخبرات الطبية والقضائية والمعطيات التقنية المتوفرة.

وفي ما يتعلق بضرورة فتح تحقيق مستقل وشفاف، أكد أن التحقيق المستقل ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو التزام قانوني دولي يقع على عاتق الدولة كلما ترتبت وفاة عن تدخل أمني. كما أشار إلى أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تؤكد في اجتهاداتها أن هذا التحقيق يجب أن يكون سريعا، مستقلا، محايدا، فعالا، وقادرا على تحديد المسؤوليات متى ثبت وجود أي تجاوز.

وتتمتع أسرة الضحية، وفق المتحدث، بجملة من الحقوق، من بينها الحق في معرفة الحقيقة كاملة بشأن أسباب الوفاة وملابساتها، والحق في الاطلاع على مجريات التحقيق وفق ما يسمح به القانون، والاستعانة بمحام وممارسة جميع وسائل الدفاع القانونية، إلى جانب الحق في إجراء خبرات طبية وقضائية عند الاقتضاء، واللجوء إلى القضاء الوطني ثم إلى الآليات القضائية أو الدولية المختصة إذا تبين وجود إخلال جسيم بالالتزامات القانونية.

وفي هذا السياق، أبرز بوغنبور أهمية الدور الذي ينبغي أن تضطلع به السلطات المغربية، من خلال وزارة الشؤون الخارجية وسفارة المملكة المغربية بروما، عبر المتابعة الدبلوماسية والقنصلية الحثيثة لهذا الملف، وتقديم الدعم القانوني اللازم لأسرة الفقيد، بما يضمن احترام حقوقه وحقوق ذويه.

وختم الناشط الحقوقي والمنسق السابق للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان بالتأكيد على أن هذه القضية لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها واقعة فردية، وإنما باعتبارها اختبارا لمدى احترام دولة القانون لالتزاماتها الدولية في حماية الحق في الحياة، وضمان خضوع أجهزة إنفاذ القانون للمساءلة كلما ترتب عن تدخلها المساس بهذا الحق الأساسي.

وأضاف أن العدالة الحقيقية لا تقوم على الافتراضات أو ردود الفعل، وإنما على تحقيق مستقل وشفاف يكشف الحقيقة كاملة، وينصف الضحية وذويه، ويضمن عدم الإفلات من العقاب، ويعزز الثقة في سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

وزير العدل يدشن المقر الجديد لقسم قضاء الأسرة بصفرو لتعزيز خدمات العدالة

المنشور التالي

“ماتقيش ولدي” تثمن حملة “منسكتوش” وتدعو إلى إجراءات عملية لحماية الأطفال من العنف

المقالات ذات الصلة