صنف تقرير “مؤشر الهشاشة الانتخابية 2026-2027”الصادر عن مؤسسة كوفي عنان، المغرب ضمن فئة الدول ذات المخاطر الانتخابية المتوسطة، في تصنيف يعكس استقرارا نسبيا مقارنة بعدد من الدول الإقليمية والدولية التي شملها التقرير.
وأوضح التقرير، أن المغرب سجل 48.1 نقطة في مؤشر المخاطر العام (Risk Index)، وهو مؤشر مركب يقيس درجة الهشاشة الانتخابية استنادا إلى معايير تشمل الاستقرار السياسي، مستوى التنافس الحزبي، وجودة الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم للانتخابات، فضلا عن العوامل الاجتماعية، الاقتصادية، وتأثير البيئة الإعلامية والرقمية.
ووفق التقرير ذاته، بلغت الاحتمالية الإجمالية لوقوع أشكال مختلفة من العنف أو الاضطرابات المرتبطة بالعملية الانتخابية 91.2 في المائة، غير أن هذه النسبة لا تعني بالضرورة احتمال وقوع عنف خطير، إذ تشير النماذج الإحصائية المعتمدة إلى مختلف مستويات التوتر المحتملة. مبرزا أن 86.1 في المائة من هذه المخاطر تندرج ضمن خانة العنف المحدود أو المتوسط، مثل الاحتكاكات اللفظية والتوترات الظرفية خلال الحملات الانتخابية أو عقب إعلان النتائج، بينما لا يتجاوز احتمال العنف الشديد 5.1 في المائة.
ويضع التقرير المغرب في موقع أكثر استقرارا نسبيا من عدد من الدول ذات المخاطر المرتفعة، كما يظهره في وضع أفضل مقارنة ببعض بلدان شمال إفريقيا، حيث سجلت الجزائر 51 نقطة، وتونس 48.7 نقطة، في حين بلغت ليبيا 55.4 نقطة مع مستوى أعلى من مخاطر العنف الشديد.
وفي قراءة لهذه المعطيات، أكد عبد الحكيم قرمان، الكاتب والباحث في العلوم السياسية، أن هذا النوع من المؤشرات يعتمد على منهجية تركيبية تجمع بين البيانات الكمية والنوعية، ترتكز على أربعة أبعاد أساسية هي البعد السياسي، البعد المؤسساتي، والبعد الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى البعد التكنولوجي والإعلامي الذي يرصد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعلومات المضللة وتعميق الاستقطاب السياسي.
وأوضح قرمان، في حوار مع THE PRESS، أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها كآليات للإنذار المبكر، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق مطلقة، بالنظر إلى ما يعتريها من محدوديات مرتبطة باختيار المتغيرات وجودة البيانات وتفاوتها بين الدول، مؤكدا أن الأصح هو قراءتها باعتبارها “إشارات تحذيرية” تساعد على استباق المخاطر وليس “تشخيصات نهائية” للأوضاع السياسية.
ويرى الباحث في العلوم السياسية، أن تموقع المغرب ضمن هذا التصنيف يفسر بوجود معادلة تجمع بين عوامل الطمأنة وعوامل القلق. فمن جهة، يستفيد المغرب من استقرار مؤسساته الدستورية، ومن تجربة انتخابية متراكمة سمحت بتطوير آليات تدبير الاستحقاقات، فضلا عن الدور الذي تلعبه المؤسسة الملكية في احتواء الأزمات وتجاوز حالات الانسداد السياسي. ومن جهة أخرى، يواجه تحديات مرتبطة بتراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، واستمرار ظاهرة الترحال السياسي، إلى جانب التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي وما تتيحه من فضاءات لانتشار الأخبار الزائفة والخطابات المتشنجة.
وأضاف المتحدث ذاته، أن صدور هذا التقرير قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026 يمنحه أهمية خاصة، معتبرا أن من بين السيناريوهات المطروحة احتمال تسجيل نسب عزوف مرتفعة عن المشاركة، وما قد يرافقها من ممارسات غير قانونية، مثل شراء الأصوات والابتزاز الانتخابي من قبل ما وصفهم بـ”تجار الانتخابات”، في محاولة لتعويض غياب المشاركة الفعلية للكتلة الناخبة الحقيقية.
كما حذر من أن الدعوات إلى مقاطعة الانتخابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تتحول إلى إحدى صور الاحتجاج السياسي إذا لم يتم العمل على استعادة الثقة في المؤسسات، داعيا إلى تعبئة جماعية تشارك فيها المؤسسات العمومية والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني من أجل تعزيز الثقافة المواطنة، وتشجيع المواطنين على التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة المكثفة في الاقتراع باعتبارها الوسيلة الدستورية للتعبير عن الإرادة العامة.
وفي السياق ذاته، اعتبر أن التقرير يمثل “جرس إنذار” للأحزاب السياسية من أجل مراجعة أساليب اشتغالها، عبر ضبط الخطاب الانتخابي والابتعاد عن التحريض، واعتماد الشفافية في تدبير الترشيحات والقطع مع منطق “التزكيات العائلية”، فضلا عن تأطير مناضليها وتوعيتهم بأهمية احترام القوانين المؤطرة للعملية الانتخابية.
وبالنسبة للمؤسسات العمومية، شدد قرمان على ضرورة تعزيز الإجراءات التنظيمية والأمنية خلال الحملة الانتخابية ويوم الاقتراع، وضمان تدبير شفاف لإعلان النتائج، مع تكثيف التنسيق بين مختلف المتدخلين لمحاربة شراء الأصوات ومختلف مظاهر الفساد الانتخابي.
وخلص المتحدث ذاته، إلى أن تصنيف المغرب ضمن فئة “المخاطر المتوسطة” لا يشكل وصمة أو حكما سلبيا على التجربة الديمقراطية الوطنية، بقدر ما يعكس واقعا يحتاج إلى مزيد من الإصلاح وتعزيز الثقة. وأكد أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في رفع نسب المشاركة، بل في الحفاظ على المسار التراكمي للبناء الديمقراطي وترسيخ مصداقية المؤسسات المنتخبة، معتبرا أن الاستعداد المبكر، ووضوح القواعد الانتخابية، وفتح قنوات التواصل مع المواطنين، تمثل مفاتيح أساسية لتجاوز هذا التصنيف وتعزيز مناعة التجربة الديمقراطية المغربية.