الشباب المغربي ووهم الحلم الأوروبي

بقلم الدكتور أحمد أزوغ: كاتب عام المنتدى المغربي للكفاءات والنخب

استيقظ المغاربة، ومعهم العالم، في يوم عيد العرش على مشهد صادم: عشرات الآلاف من المغاربة يتدفقون نحو سبتة المحتلة، سباحة أو اقتحامًا للسياج، مخلفين وراءهم قتلى وجرحى، آباء يحملون أطفالهم الرضع، وشباب يحملون آباءهم على الأكتاف، وقاصرون ينساقون مع الأفواج المغادرة. بدا المشهد، للوهلة الأولى، كما لو كان هروبًا جماعيًا من وطن فقد القدرة على الاحتفاظ بأبنائه.

كان ذلك مشهدًا مؤلمًا، ليس فقط لما حمله من مآسٍ إنسانية، بل أيضًا لما تركه من أثر على صورة المغرب والمغاربة. فهؤلاء لم يتجهوا إلى سبتة بدافع زيارة أرض مغربية محتلة، كما حاول البعض أن يصور الأمر، وإنما طمعًا في رغد العيش في الدولة التي تديرها، اعتقادًا منهم أن الحياة الأفضل تبدأ بمجرد عبور السياج.

لكن الواقع كان أقسى من الخيال. عاد أغلب هؤلاء العابرين بعد يوم أو يومين وهم يرددون: “ليتني لم أغادر المغرب”. اكتشفوا أن أوروبا التي حلموا بها لا تستقبل المهاجر غير النظامي بالسجاد الأحمر، بل بالجوع والعطش والهراوات، وبالغربة والقلق والنوم في العراء. واكتشفوا أن قيمة الوطن لا تقاس فقط بمستوى الدخل، بل أيضًا بالأسرة، والأصدقاء، واللغة، والهوية، والشعور بالانتماء.

لقد نجح البعض في إقناع آلاف الشباب بأن أوروبا ماكينة لتوزيع الرفاهية، وأن مجرد الوصول إلى الضفة الأخرى كفيل بتغيير الحياة بين ليلة وضحاها. والأخطر أن هذا الوهم لم يعد يقتصر على الفئات الأكثر هشاشة، بل امتد إلى شباب وكهول يملكون وظائف مستقرة، أو مشاريع خاصة، أو دخولًا محترمة. ترك بعضهم كل ذلك خلفه، مقتنعًا بأن عبور السياج هو أقصر طريق إلى حياة أفضل.

إن ما وقع يدعونا إلى ما هو أبعد من الانشغال بالحدود والإجراءات الأمنية. إنه يدعونا إلى فهم ما يدور في عقول هؤلاء الآلاف. فالقصة ليست مجرد هجرة، بل هي قصة وهم جماعي.

غير أن السؤال الأهم ليس: لماذا هاجر هؤلاء؟ فالحلم الأوروبي يسكن الكثيرين، بل: من أقنعهم بأن يفعلوا ذلك في اللحظة نفسها، وبهذه الطريقة المهينة؟

من استطاع أن يدفع آلاف الشباب والقاصرين إلى المخاطرة بحياتهم، وهم يعلمون أن البحر لا يرحم، وأن الأسلاك الشائكة لا تميز بين اليائس والمغامر؟

لقد تراجع دور كثير ممن كانوا يصنعون الوعي. المدرسة منشغلة بالمناهج، والأسرة أنهكتها ضغوط الحياة وفرقتها الشاشات، وكثير من الخطابات الدينية والتربوية أصبحت نصوصًا موحدة، أكاديمية جامدة، تلقى من منابر عاجية بعيدة عن واقع المجتمع وهموم الشباب ولغته. أما ساسة المغرب، فأغلبهم يعمهون في صراعاتهم الفارغة على الكراسي، ناسين هموم الشعب ومشاكل الشباب.

وفي المقابل، تمدد عالم المؤثرين حتى أصبح المدرسة الجديدة، والرفيق اليومي، والمرجع الذي يشكل الطموحات.

يستيقظ الشاب كل صباح على صور سيارات فارهة، وساعات باهظة الثمن، وفيلات ومسابح، ورحلات ومطاعم فاخرة، حتى أصبح النجاح يقاس بما يظهر على شاشة الهاتف، لا بما يتحقق على أرض الواقع. ولا يرى سنوات التعب، ولا الإخفاقات، ولا الديون، ولا أن كثيرًا مما يعرض ليس سوى صناعة للمظاهر.

فيبدأ باحتقار حياته، ويقتنع بأن الجميع نجح إلا هو، وأن الخلاص الوحيد هو الرحيل.

كيف انتقلنا، في أقل من عقدين، من ثقافة تعتبر النجاح ثمرة سنوات من الجد والاجتهاد والإنجاز المتدرج، إلى جيل يحلم بالربح السريع والآني؟ إلى شباب في العشرين من عمره، لم يكمل حتى دراسته، يقول: “هذه البلاد لم تعطنا شيئًا”، وكأن أوروبا توزع الثروة على من يعبر حدودها.

لكن هناك سؤالًا أكثر إلحاحًا: من يصنع الأمل في المغرب؟

من يحدث الشباب عن التحولات التي عرفها البلد بين التسعينيات واليوم؟ من يشرح لهم كيف قفز المغرب من اقتصاد ريعي فلاحي محدود إلى أحد أول بلد مصنع في إفريقيا؟ من يحدثهم عن ندرة المستشفيات في الماضي، وعن عجز الفقراء آنذاك عن مواجهة المرض، وكيف انتقلنا إلى تغطية صحية بدأت تشمل أغلب المغاربة؟ من يقنعهم بأن التعويضات الاجتماعية التي يتقاضاها فقراء البلد، على محدوديتها، تمثل ثورة اجتماعية كانت في طفولتنا وشبابنا مجرد حلم نتحدث عنه؟ ومن يطلعهم على الاستثمارات الكبرى، والأوراش المفتوحة في أفق 2030، وعلى الفرص التي بدأت تتشكل للمستقبل، في ظل ثورة في البنية التحتية قل نظيرها؟

وفي الوقت نفسه، يجب أن نمتلك الشجاعة لنقول لهم الحقيقة كاملة. يجب أن نعترف بغلاء المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وارتفاع تكاليف التعليم، والضغط على القدرة الشرائية. لكن هذه التحديات نفسها يواجهها أيضًا من يقيم في أوروبا بصفة قانونية، وإن كان ذلك بدرجات وسياقات مختلفة.

من يوضح لهم أن أوروبا لها هي الأخرى نصيبها من المشاكل، حتى إن عددًا من المغاربة اختاروا الهجرة المعاكسة والاستقرار في بلدهم الأم؟ فاختلاف العادات، وارتفاع الضرائب، وأزمة السكن، وتصاعد مظاهر العنصرية، تجعل الكفاف في الوطن أرحم، عند كثيرين، من رغد العيش في الغربة.

ومن يوضح لهم أن الحياة في أوروبا تتطلب جهدًا وشقاء وضغط عمل أكبر بكثير مما اعتادوا عليه في المغرب، وانشغالًا يكاد لا يترك للمرء متسعًا للحياة الاجتماعية التي ألفها في وطنه؟

إن أكبر خطأ نرتكبه اليوم هو أننا نترك أبناءنا يتعرفون إلى أوروبا من خلال فيديو لا يتجاوز ثلاثين ثانية، ولا نعرفهم بالمغرب الذي يتغير أمام أعينهم. نترك صناع المظاهر يربونهم، ثم نستغرب عندما يقررون أن مستقبلهم يوجد في مكان آخر.

ما يحتاجه المغرب ليس تصدير شبابه، بل تصدير منتجاته، وتقنياته، وخدماته، وأفكاره. وما يحتاجه المغرب ليس استيراد وسائل الرفاهية الأوروبية، بل استلهام نموذج حمايتها الاجتماعية، ونزاهة مؤسساتها، وجدية أحزابها في الدفاع عن مصالح مواطنيها، وقوة قضائها في محاسبة المفسدين.

لا نريد أن نصدر إلى أوروبا أهم ثروة يملكها المغرب؛ شبابه، فيغرق بعضهم في البحر، ويضيع بعضهم في الغربة، بينما الوطن أولى بعقولهم وسواعدهم.

إن الحلم الأوروبي ليس عيبًا إذا كان طريقًا إلى الدراسة أو العمل المتميز واكتساب الخبرة. أما الوهم الأوروبي، فهو من أخطر أشكال التضليل التي تواجه جيلًا كاملًا، يرى الخلاص في عبور الحدود، بدل أن يراه في عبور الجهل إلى المعرفة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن انتظار الفرص إلى صناعتها.

إن معركة المغرب اليوم ليست مع الهجرة فقط، بل مع معركتين متلازمتين: فساد وسوء توزيع للثروة يقتل الأمل، ويأس وسوء توجيه يقتل الطموح. فإذا انتصرنا على الأولى بالإصلاح والعدالة، وعلى الثانية بالتربية وصناعة الأمل، فلن يكون البحر طريقًا إلى المستقبل، بل سيكون المغرب نفسه هو المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

الخزينة العامة تكشف مؤشرات تنفيذ ميزانية 2026  

المنشور التالي

تقارير إسبانية: أوناحي على رادار برشلونة لتعويض دي يونغ

المقالات ذات الصلة