تحذير من الاستعمال غير المؤطر للذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التعليمية

حذر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي من التنامي المتسارع لاستخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التعليمية المغربية، معتبرا أن انتشار هذه التقنيات بين الأطفال والتلاميذ والطلبة يتجاوز بكثير وتيرة بناء الأطر القانونية والتربوية الكفيلة بتأطيرها، ما قد يفضي إلى ترسيخ ممارسات رقمية جديدة يصعب تصحيح آثارها مستقبلا. ودعا المجلس إلى تدخل عمومي عاجل لإرساء إطار وطني يوجه استعمال الذكاء الاصطناعي في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي.

وفي توصيته، أكد المجلس أن العالم يشهد تحولا تاريخيا عميقا تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا يقتصر على تطوير وسائل الإنتاج والتواصل، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أساليب التعلم وإنتاج المعرفة، ما يضع المدرسة في قلب هذا التحول باعتبارها المؤسسة المكلفة بإعداد أجيال المستقبل.

وأشار المجلس إلى أن التحدي لم يعد مرتبطا فقط بمواكبة التطورات التكنولوجية، بل بكيفية توظيفها لخدمة مشروع تربوي وطني يضمن جودة التعليم، ويعزز التفكير النقدي والاستقلالية الفكرية، ويمكن المتعلمين من فهم العالم والتأثير فيه، بدل الاكتفاء بدور المستهلك لمخرجات الأنظمة الذكية.

واستندت التوصية إلى مرجعيات وطنية ودولية متعددة، من بينها الدستور المغربي، والرؤية الاستراتيجية لإصلاح التربية والتكوين 2015-2030، والقانون الإطار 51.17، فضلا عن توجيهات منظمة اليونسكو المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، والتي تؤكد ضرورة حماية المعطيات الشخصية وضمان الإنصاف وعدم تعويض الدور التربوي للمدرس.

وأوضح المجلس أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرا بقوة في الحياة اليومية للأطفال والشباب عبر الهواتف الذكية والمنصات الرقمية ومحركات البحث التوليدية والتطبيقات التعليمية، مشيرا إلى أن هذه الأدوات لم تعد تقتصر على توفير المعلومات، بل باتت قادرة على إنتاج النصوص والأجوبة والحلول الجاهزة، بما يغير علاقة المتعلم بالمعرفة وبالجهد الذهني المرتبط باكتسابها.

وسجلت الوثيقة أن هذه التقنيات دخلت بالفعل إلى الفضاء التربوي المغربي، سواء من خلال استعمال التلاميذ والطلبة لها في إنجاز الواجبات والبحوث، أو عبر اعتماد المدرسين عليها في إعداد الدروس والموارد التعليمية، غير أن هذا الانتشار يتم في ظل غياب إطار مؤسساتي واضح يحدد ضوابط الاستخدام وآثاره التربوية.

وحذر المجلس من اتساع الفجوة بين سرعة انتشار هذه الاستعمالات وتأخر التأطير المؤسسي، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تعميق الفوارق التعليمية والرقمية بين مختلف الفئات الاجتماعية والمجالية، وترسيخ ممارسات يصعب التحكم فيها مستقبلا.

ورغم هذه التحفظات، أبرزت التوصية الإمكانات الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لتطوير التعليم، من خلال تنويع المقاربات البيداغوجية، وتفريد التعلمات، ومواكبة الفوارق الفردية بين المتعلمين، وإنتاج موارد تعليمية عالية الجودة، وتعزيز التعلم الذاتي وتحسين التقييم والحكامة التربوية. غير أن تحقيق هذه المكاسب، بحسب المجلس، يظل رهينا بوضع استراتيجية وطنية مندمجة تؤطر الاستخدام وتوجهه لخدمة أهداف الإصلاح التربوي.

كما نبه المجلس إلى مخاطر الاعتماد المفرط وغير المؤطر على الأدوات التوليدية، لما قد يسببه من إضعاف لمهارات التحليل والتركيب والتفكير المنطقي، خاصة لدى الأطفال واليافعين، فضلا عن تشجيع التعلم السطحي القائم على الأجوبة الجاهزة على حساب بناء المعرفة بشكل متين ومستدام.

ودعا إلى اعتماد مقاربة متدرجة بحسب الأسلاك التعليمية، تقوم في التعليم الابتدائي على حماية الطفل وصون التعلمات الأساسية، وفي التعليم الثانوي على تنمية الحس النقدي وفهم آليات اشتغال الذكاء الاصطناعي وحدوده، بينما يمكن للتعليم العالي الاستفادة بشكل أوسع من هذه التقنيات في البحث العلمي وتحليل البيانات، مع الحفاظ على النزاهة الأكاديمية ومكافحة الانتحال.

وأكد المجلس أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون بديلا عن المدرس، بل سيجعل دوره أكثر أهمية باعتباره موجها للتعلم ومؤطرا للتفكير النقدي ومواكبا للمتعلمين في الاستخدام الواعي والمسؤول للأدوات الرقمية.

كما حذرت الوثيقة من التحديات المرتبطة بالسيادة الرقمية واللغوية، مشيرة إلى هيمنة اللغة الإنجليزية على معظم نماذج الذكاء الاصطناعي العالمية، وما قد ينجم عن ذلك من تهميش للغتين العربية والأمازيغية، فضلا عن مخاطر التبعية التكنولوجية للخدمات والمنصات الأجنبية وما تطرحه من إشكالات مرتبطة بحماية المعطيات والسيادة الرقمية الوطنية.

وفي ختام توصيته، شدد المجلس على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تطور تقني عابر، بل أصبح عاملا مؤثرا في إعادة تشكيل المعرفة وأنماط التعلم ووظائف المدرسة، مؤكدا أن نجاح إدماجه في المنظومة التعليمية ينبغي أن يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة التعلمات وتعزيز الإنصاف وتكوين مواطنين قادرين على الفهم والتمييز واتخاذ القرار داخل عالم رقمي متسارع التحول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

الشركة الجهوية بجهة الرباط تطلق حملة واسعة لمحاربة سرقة الماء والكهرباء

المنشور التالي

شراكة بين الأمن الوطني ووزارة الانتقال الرقمي للارتقاء بجودة الخدمات العمومية

المقالات ذات الصلة