بقلم أنس شاكر ، خبير في الذكاء الإقتصادي
أكثر ما يثير قلقي في المشهد الدولي اليوم هو أننا بدأنا نعتاد الأخبار التي كان يفترض أن تدفعنا إلى التوقف والتفكير. نقرأ عن تهديد منشأة نووية، ثم عن اختراق أنظمة حيوية، ثم عن أزمة بنك أو اضطراب في أسواق التكنولوجيا، ونواصل يومنا. لكل خبر مكانه في نشرات الأخبار، لكن أثره في حياتنا لا يبقى داخل ذلك المكان.
فالحرب التي تبدو بعيدة قد تصل إلينا في فاتورة الطاقة. والهجوم الإلكتروني الذي يستهدف شركة قد يعطل خدمة نعتمد عليها. والخسارة التي تبدأ في سوق مالية قد تنتهي بتجميد مشروع أو فقدان وظيفة. وما يقلقني هو أن هذه الضغوط تتجمع في وقت تبدو فيه مجتمعات كثيرة متعبة أصلاً من الغلاء والديون وتراجع الثقة.
لهذا أعتقد أننا بحاجة إلى النظر إلى الصورة كاملة. هناك إشارات تستحق الانتباه قبل أن تصبح نتائجها جزءاً من حياتنا اليومية، وحينها ستكون مساحة الاختيار أضيق بكثير.
لنأخذ ما يجري حول إيران. يسهل متابعة المشهد باعتباره مواجهة عسكرية تتعلق بالبرنامج النووي والمنشآت المحصنة قرب نطنز. لكن ما يوجد حول هذه المواجهة يجعل تداعياتها أوسع: ممرات نفطية، وموانئ، وكابلات اتصالات، ومراكز بيانات، واستثمارات ضخمة مرتبطة بمستقبل الاقتصاد الرقمي.
وحين تدخل هذه المنشآت ضمن التهديدات المتبادلة، يصبح الاقتصاد نفسه ساحة للمواجهة. يكفي أن يتعطل ممر بحري أو تتضرر بنية حساسة حتى ترتفع كلفة الشحن والتأمين، وتتأخر الإمدادات، وتعيد الشركات حساباتها. ومن هناك يبدأ انتقال الأثر إلى المصانع والمتاجر والأسر.
قد لا يتابع المواطن تفاصيل التوتر في مضيق هرمز، لكنه سيتابع جيداً ما يدفعه عند محطة الوقود وفي السوق. وهذه إحدى حقائق المرحلة: المسافة الجغرافية تمنحنا شعوراً بالأمان لا تحترمه العلاقات الاقتصادية دائماً.
والأمر نفسه ينطبق على العالم الرقمي. لقد أدخلنا الاتصال إلى كل شيء تقريباً، حتى صار من السهل أن ننسى أن خلف الخدمة التي تعمل بضغطة زر منظومة كاملة من البرمجيات والموردين ومراكز التحكم. نحن نرى النتيجة، ونادراً ما نلتفت إلى ما قد يتوقف خلفها.
لهذا تحمل الهجمات على تجهيزات التبريد في المتاجر والمنشآت الصحية معنى يتجاوز خبر الاختراق نفسه. حين يستطيع مهاجم تغيير إعدادات أنظمة تستخدم لحفظ الغذاء أو منتجات الدم، يصبح الخطر قريباً من احتياجات الإنسان الأساسية. وقد نجح التدخل في حماية المنتجات في حادث المؤسسة الفرنسية للدم، لكن القدرة على الوصول إلى تلك الإعدادات تبقى إنذاراً يستحق أن يؤخذ بجدية.
ومن الطبيعي أن نسأل بعدها عن الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات. ماذا يحدث إذا تعطلت خدمة منها لساعات طويلة؟ وكيف ستعمل بقية الخدمات التي تعتمد عليها؟ وهل جُرّبت البدائل فعلاً، أم أنها ما تزال خططاً محفوظة في الملفات؟
هناك أيضاً مشكلة أقل ظهوراً: قد تحمي مؤسسة أنظمتها جيداً، ثم يأتي الخطر من شركة صيانة أو مورد برمجيات. وهكذا تصبح سلامة خدمة عامة مرتبطة بمستوى حماية جهات لا يعرف الجمهور حتى أسماءها. ومع قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على تسريع اكتشاف الثغرات واستغلالها، يزداد ثمن التأخر في معالجة هذه الروابط.
وتطرح سياسات التحكم في الإنترنت، كما نراها بأشكال مختلفة في الصين وروسيا وإيران، سؤالاً قريباً من ذلك. فقد اعتدنا الاتصال إلى درجة أننا نتصور استمراره أمراً مضموناً. لكن العمل والدفع والتواصل قد تصبح كلها رهينة قرار أو عطل أو هجوم لا يملك المستخدم التأثير فيه. ومن يتحكم في الوصول إلى الشبكة يمتلك نفوذاً يمتد إلى تفاصيل الحياة الاقتصادية.
وفي الوقت الذي يتسع فيه هذا الاعتماد، تتدفق أموال هائلة إلى الذكاء الاصطناعي. هنا أيضاً ما يدعو إلى الانتباه. فالتراجع الحاد في أسهم التكنولوجيا بالصين يذكرنا بأن الحماس قادر على رفع التقييمات إلى مستويات يصبح الحفاظ عليها صعباً.
وفي الولايات المتحدة، يفرض السباق بين الشركات التزامات ضخمة لشراء الرقائق وبناء مراكز البيانات وتأمين الطاقة والحوسبة. وتظهر حالة أنثروبيك، إلى جانب إنفاق كبار الفاعلين، حجم الرهان على أرباح مستقبلية يفترض أن تكون كافية لتحمل هذه الكلفة.
للذكاء الاصطناعي قيمة فعلية واستخدامات تتوسع، لكن ذلك لا يحمي كل استثمار فيه من الخسارة. فقد تكون التكنولوجيا ناجحة، بينما تكون بعض الرهانات المالية المحيطة بها أكبر مما تستطيع الإيرادات تبريره.
وإذا تعثرت هذه الرهانات، فلن تبقى النتائج محصورة في أسعار الأسهم. هناك موردون ومقاولون ومشروعات طاقة وتمويل ووظائف بنت حساباتها على استمرار التوسع. وقد يمتد الأثر إلى مدخرات تستثمر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في هذه الأصول.
ما يلفت الانتباه أن جزءاً من النمو أصبح معلقاً باستمرار هذا الاندفاع، بينما يحتاج الاندفاع نفسه إلى مزيد من التمويل والطاقة. وهذا يجعل المنظومة حساسة لأي ارتفاع في الكلفة أو تراجع في الثقة.
أما فرنسا، فتقدم صورة أخرى لتراكم الضغوط. دين عام يقترب من 3600 مليار يورو، وأسر تواجه صعوبة في الحفاظ على قدرتها الشرائية، وحياة سياسية يزداد فيها الاستقطاب مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي.
خلف رقم الدين سؤال يمس حياة الناس: ما الذي سيبقى متاحاً لتمويل الصحة والتعليم والاستثمار والحماية الاجتماعية كلما ارتفعت أعباء التمويل؟ وماذا ستفعل الدولة إذا احتاجت إلى مواجهة أزمة جديدة وهي تعاني أصلاً ضيقاً في مواردها؟
وحين تصبح القرارات المالية أكثر صعوبة، يحتاج تنفيذها إلى ثقة وتفاهم سياسي. لكن الاحتقان يضعف هذه الثقة، والعنف يزيد الشعور بانسداد الأفق، فتتعقد القدرة على اتخاذ القرار. وهذا ما يجعل تزامن الضغط المالي والانقسام الاجتماعي أمراً مقلقاً: كل واحد منهما قد يزيد صعوبة معالجة الآخر.
حتى علاقتنا بالمال تحمل نقاط ضعف لا نفكر فيها كثيراً. نفتح تطبيق البنك فنرى الرصيد، ونفترض أننا نستطيع استخدامه متى شئنا. ثم تأتي أزمة مثل أزمة بنك Ueno في باراغواي لتذكرنا بأن الوصول إلى الحساب قد يتوقف حين تتعثر المؤسسة.
ويكشف اختراق بينانس وتعليق السحب خلال معالجة الحادث عن مشكلة مشابهة من طريق مختلف. فقد يملك الشخص أصلاً، لكنه يعجز عن التصرف فيه في اللحظة التي يحتاج إليها. بالنسبة إلى أسرة عليها شراء حاجياتها، أو شركة عليها دفع أجور عمالها، يصبح هذا الفرق بالغ الأهمية.
ومن هنا يمكن فهم الحاجة إلى بدائل معقولة للدفع وإلى سيولة تغطي الضروريات أثناء التعطل. فالتصرف الهادئ والمدروس ينبغي أن يسبق الاضطراب؛ لأن القرارات الجماعية المتسرعة تحت الخوف قد تزيد الأزمة حدة.
وفي هذا السياق، تستحق الدعوات إلى تجهيز مستلزمات تكفي اثنتين وسبعين ساعة أكثر من مرور سريع. حين تطلب السلطات من السكان تصور أيام تتعطل فيها الكهرباء أو المياه أو الاتصالات، فهي تعيد طرح سؤال بسيط كدنا ننساه: كيف سنعيش إذا توقفت الخدمات التي ننظم حياتنا على أساس استمرارها؟
فكروا في يوم واحد تتعطل فيه وسائل الدفع والاتصال معاً. كيف نشتري الضروريات؟ كيف نطمئن على أهلنا؟ كيف يتصرف شخص يحتاج إلى دواء أو تجهيز كهربائي؟ بهذه الأسئلة يصبح الاستعداد مسألة قريبة من الحياة، ويمكن لكل أسرة أن تقدر حاجتها إليها.
ما أخشاه هو وصول أكثر من ضغط في اللحظة نفسها. ارتفاع في الطاقة يضغط على الأسعار، واضطراب مالي يضعف الاستثمار، وتعطل رقمي يربك الخدمات، ثم احتقان اجتماعي يصعّب الاستجابة. عندها تستهلك كل أزمة جزءاً من الموارد والوقت والثقة اللازمة لمواجهة الأخرى.
وهذا يعنينا في المغرب وفي بقية دول المنطقة أيضاً. فنحن مرتبطون بهذه التحولات عبر الطاقة والغذاء والاستثمار والأسواق الخارجية وسلاسل الإمداد. وما يحدث خارج حدودنا قد يفرض علينا كلفة اقتصادية واجتماعية، حتى إن لم نكن طرفاً فيه.
لذلك أرى أن الحديث عن المرونة يجب أن يصل إلى تفاصيل واضحة. على الأسرة أن تعرف كيف تؤمن حاجياتها الأساسية خلال انقطاع مؤقت. وعلى الشركة أن تعرف كيف ستدفع وتنتج وتتواصل إذا تعطل مورد أو نظام تعتمد عليه. وعلى الدولة أن تختبر قدرة الخدمات الحيوية على الاستمرار، وأن تحمي مخزونها ومسارات إمدادها قبل أن تشتد المنافسة عليها.
نحتاج أيضاً إلى خطاب عام يحترم الناس، ويشرح لهم مواطن الخطر وما يستطيعون فعله. فالطمأنة التي تتجاهل الأسئلة تترك فراغاً تملؤه الشائعات، والتحذير الذي لا يقدم سبيلاً للتصرف يترك الناس أسرى القلق.
لا أملك موعداً للأزمة المقبلة، لكنني أرى أسباباً كافية لأخذ هذه الإنذارات بجدية. وما نفعله اليوم من استعداد قد يحدد مقدار ما سنحتفظ به من حرية القرار غداً.
لقد اعتدنا أن ننتظر عودة الأمور إلى طبيعتها، لكن الانتظار وحده لم يعد كافياً. فالإنذارات التي نتابعها اليوم قد تصبح غداً ضغوطاً تمس أعمالنا ومدخراتنا وحياتنا اليومية. وما نستطيع الاستعداد له الآن قد يصعب التعامل معه حين تضيق الخيارات.
علينا أن نكون مستعدين، أفراداً ومؤسسات ودولاً. أن نعرف مواطن ضعفنا، ونؤمّن احتياجاتنا الأساسية، ونملك بدائل حين تتعطل الأشياء التي اعتدنا الاعتماد عليها.
علينا ان نكون مستعدين — Be ready