مأسسة مقاربة النوع في المغرب: قراءة في دلالات المنشور رقم 11/2026

بقلم: ذة.سلمى المودني
باحثة في قضايا النوع والسياسات العمومية

لم يعد إدماج مقاربة النوع في السياسات العمومية بالمغرب مجرد توجه قطاعي أو التزام ظرفي، بل أصبح خيارا استراتيجيا يندرج ضمن مشروع وطني متكامل لتحديث الإدارة وتعزيز الحكامة وترسيخ مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، وفي هذا السياق، يكتسي المنشور رقم 11/2026 الصادر عن رئاسة الحكومة بتاريخ 23 يوليوز 2026 بشأن مأسسة آليات إدماج مقاربة النوع داخل القطاعات الوزارية أهمية خاصة، ليس لأنه يضيف مقتضيات تنظيمية جديدة فحسب، وإنما لأنه يمثل محطة إجرائية هامة في مسار إصلاحي متدرج انتقل بالمغرب من تكريس المساواة في النصوص إلى مأسسة آليات تنزيلها داخل مختلف مراحل إعداد وتنفيذ وتتبع وتقييم السياسات العمومية.

ويقصد بمأسسة مقاربة النوع الانتقال من اعتمادها كمبادرات أو برامج ظرفية إلى جعلها جزءا من المنظومة المؤسسية للدولة، من خلال إدماجها في البنيات التنظيمية، وآليات اتخاذ القرار، ومنظومة التخطيط والبرمجة وإعداد الميزانية، ونظم التتبع والتقييم، بما يضمن استدامتها واستمراريتها ويجعلها معيارا لتحسين جودة السياسات العمومية.

المساواة… خيار دستوري ورؤية ملكية

يستند هذا الورش إلى مرجعيات دستورية واضحة، جعلت من المساواة بين النساء والرجال أحد مرتكزات الدولة الحديثة، فقد نص دستور المملكة لسنة 2011، ولا سيما الفصول 19 و31 و154، على المساواة وتكافؤ الفرص، وربط جودة المرافق العمومية باحترام مبادئ الإنصاف وعدم التمييز، بما يجعل إدماج مقاربة النوع مسؤولية مشتركة لمختلف المؤسسات والقطاعات.

وقد عززت الرؤية الملكية السامية هذا التوجه، حيث أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في الرسالة الموجهة إلى المشاركين في القمة العالمية الثانية لمبادرة “نساء في إفريقيا” بمراكش سنة 2018 جاء في منطوق رسالته السامية:

“لقد كرم الله بني الإنسان، حيث أكد الإسلام على المساواة بين المرأة والرجل… كما أننا عملنا، منذ عدة سنوات، على وضع المغرب في مسار المساواة بين الرجل والمرأة، باعتبار ذلك حقاً من الحقوق الإنسانية الأساسية، ومطلباً قانونياً، وضرورة اجتماعية واقتصادية.” …”وتعد مراعاة مقاربة النوع في إعداد الميزانيات، آلية أساسية، لضمان حقوق المرأة، وتمكينها من المساهمة الفاعلة، في مختلف مناحي الحياة الوطنية”.

وتكرس هذه الرؤية الملكية أن المساواة ليست فقط التزاما حقوقيا، بل خيارا تنمويا واستثمارا في الرأسمال البشري، وهو ما أكده أيضاً النموذج التنموي الجديد الذي اعتبر تمكين النساء رافعة لتحقيق التنمية الشاملة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتقوية تنافسية الاقتصاد الوطني.

كما ينسجم هذا المسار مع التزامات المملكة الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وإعلان ومنهاج عمل بيجين سنة 1995، وخطة التنمية المستدامة 2030، ولا سيما الهدف الخامس المتعلق بتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات.

وقد أكدت المملكة المغربية، في عدة مناسبات ومحافل دولية، التزامها الراسخ بمواصلة تطوير الآليات الوطنية الكفيلة بإدماج مقاربة النوع في التشريعات والسياسات العمومية، وتعزيز الميزانية المستجيبة للنوع، وتطوير منظومة المعطيات والإحصائيات المصنفة حسب الجنس، وتقوية التنسيق بين مختلف المتدخلين، باعتبار هذه الآليات رافعة أساسية لتحقيق المساواة بين النساء والرجال، وتسريع تنفيذ التزامات المملكة الدولية في مجال حقوق المرأة وتمكينها.

ويعكس هذا التوجه حرص المغرب على ملائمة تشريعاته وسياساته العمومية مع التزاماته الدولية، مع مراعاة خصوصياته الدستورية والمؤسساتية والثقافية، بما يجعل الإصلاحات الوطنية نابعة من رؤية وطنية متكاملة، تستحضر المرجعيات الدولية وتترجمها بما ينسجم مع خصوصية النموذج المغربي.

لقد أفرزت المرجعيات الدستورية، والتوجيهات الملكية السامية، والاختيارات الاستراتيجية للنموذج التنموي الجديد، والالتزامات الدولية للمملكة، بيئة مؤسساتية مواتية لتطوير منظومة وطنية متكاملة للنهوض بالمساواة بين النساء والرجال، غير أن ترجمة هذه المرجعيات إلى نتائج ملموسة ظلت رهينة بإرساء آليات مؤسساتية قادرة على ضمان الالتقائية والاستمرارية والتنسيق بين مختلف الفاعلين.

ومن هذا المنطلق، انخرط المغرب، خلال السنوات الأخيرة، في بناء منظومة متدرجة من الإصلاحات القانونية والتنظيمية والمؤسساتية، شكلت كل محطة منها لبنة جديدة في مسار مأسسة مقاربة النوع داخل السياسات العمومية.

من المبادئ إلى المأسسة

لم يكتف المغرب بإقرار المبادئ الدستورية، بل عمل على ترجمتها إلى منظومة متكاملة من الآليات القانونية والمؤسساتية، وقد بدأ هذا المسار بإحداث شبكة التشاور المشتركة بين الوزارات من أجل المساواة بين الجنسين سنة 2010، بهدف إدماج مبدأ المساواة في إصلاح الوظيفة العمومية وتدبير الموارد البشرية.

وتعزز هذا التوجه مع القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، الذي أرسى الأساس القانوني للميزانية المستجيبة للنوع، وربط الإنفاق العمومي بالأهداف والنتائج، بما يسمح بتقييم أثر السياسات العمومية على النساء والرجال.

كما شكل القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساءمحطة مفصلية، باعتماده مقاربة مؤسساتية تقوم على الوقاية والحماية والتكفل والزجر، وإحداث اللجنة الوطنية للتكفل بالنساء ضحايا العنف سنة 2019، باعتبارها إطاراً للتنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية.

وفي الاتجاه نفسه، جاء إحداث اللجنة الوطنية للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة بموجب المرسوم رقم 2.23.716، ليعزز التنسيق الحكومي، ويؤطر تتبع السياسات العمومية، ويضمن التقائية البرامج والمبادرات المرتبطة بالمساواة.

المنشور رقم 11/2026… تتويج لمسار الإصلاح

في هذا السياق، يأتي المنشور رقم 11/2026 باعتباره تتويجاً لمسار إصلاحي متدرج، وليس إجراءً تنظيميا معزولا، إذ يؤسس لمرحلة جديدة في مأسسة مقاربة النوع داخل الإدارة العمومية، فقد دعا مختلف القطاعات الوزارية إلى إحداث أو تعزيز وحدات إدارية، ملحقة بالكتابات العامة، تتولى تتبع وتنسيق إدماج مقاربة النوع الاجتماعي والميزانية المستجيبة للنوع على المستوى المركزي، مع تمكينها من الاضطلاع بمهام المواكبة والتنسيق، وإعداد المعطيات والمؤشرات ذات الصلة، بما يضمن استمرارية هذا الورش ونجاعة تنزيله. كما نص المنشور على تعيين نقط ارتكاز على المستوى الترابي داخل المصالح اللاممركزة، تتولى مواكبة تنفيذ البرامج والمشاريع والمبادرات، والسهر على تجميع المعطيات والمعلومات الضرورية لتتبع مدى إدماج مقاربة النوع والميزانية المستجيبة للنوع في مختلف مجالات التدخل، بما يعزز التقائية السياسات العمومية بين المستويين المركزي والترابي، كما أسند المنشور إلى وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة عبر مديرية المرأة، بتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية عبر مركز الامتياز للميزانية المستجيبة للنوع، مهمة التنسيق مع مختلف القطاعات الحكومية، 

ويمثل هذا المنشور استجابة لجزء من مطالب المجتمع المدني والفاعلين في مجال حقوق المرأة، الذين دعوا إلى الانتقال من المبادرات القطاعية إلى مأسسة مقاربة النوع داخل الإدارة العمومية، وجعلها جزءا من دورة التخطيط وإعداد الميزانية والتنفيذ والتقييم.

من مأسسة الآليات إلى مأسسة الأثر

ولا شك أن إحداث وحدات تنظيمية متخصصة، وتعيين نقط ارتكاز داخل مختلف القطاعات الوزارية، يشكلان خطوة مؤسساتية نوعية لتعزيز مأسسة مقاربة النوع وضمان استدامتها، غير أن فعالية هذا الورش تظل رهينة بتوفير الموارد البشرية والمؤهلات اللازمة، وتعزيز قدرات الفاعلين، وترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من مقاربة النوع مسؤولية مشتركة ومكونا عرضانيا في التخطيط والبرمجة وإعداد الميزانية والتنفيذ والتقييم، كما يقاس نجاح هذا الورش بمدى قدرته على تقليص الفوارق، وتعزيز تكافؤ الفرص، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتوسيع آفاق التمكين الاقتصادي للنساء من خلال دعم ريادة الأعمال والرفع من ولوجهن إلى فرص التشغيل والتمويل، والنهوض بأوضاع نساء العالم القروي عبر تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتحسين الولوج إلى البنيات الأساسية والخدمات العمومية، وضمان الولوج المنصف إلى الخدمات الاجتماعية والمرافق الصحية، بما يعزز الحماية الاجتماعية ويحسن جودة الحياة، فضلا عن دعم تمدرس الفتاة والحد من الهدر المدرسي، باعتبار التعليم أحد أهم مداخل التمكين وتحقيق المساواة بين الأجيال، كما يظل هذا الورش في حاجة إلى إرساء منظومة وطنية لقياس الأثر تعتمد مؤشرات دقيقة، مصنفة حسب الجنس والمجال الترابي، وتستند إلى تقييمات دورية تمكن من تتبع النتائج، ورصد الاختلالات، وتوجيه السياسات العمومية نحو تحقيق أثر تنموي ملموس ومستدام.

إن قراءة المنشور رقم 11/2026 في سياق المسار الدستوري والمؤسساتي للمغرب تؤكد أنه لا يمثل بداية ورش جديد، بل تتويجا لمسار إصلاحي متدرج، انتقل فيه المغرب من دسترة المساواة إلى مأسسة آلياتها، وأصبح اليوم مدعوا إلى الانتقال نحو مرحلة أكثر تقدما، عنوانها مأسسة الأثر، بما يجعل المساواة بين النساء والرجال رافعة حقيقية لتحسين جودة السياسات العمومية وتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة، في انسجام مع الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

رغم ارتفاع عدد الحرائق.. المغرب يحافظ على معدلات منخفضة للمساحات الغابوية المحترقة

المنشور التالي

القنصلية المغربية تواصل متابعة قضية وفاة عبد الرحيم فقير بإيطاليا

المقالات ذات الصلة