الطلاق في المغرب.. حين تنتهي العلاقة الزوجية وتبدأ تحديات جديدة

فاطمة الزهراء قارا – صحفية متدربة
صفاء نيوب – صحفية متدربة

تطرح ظاهرة الطلاق في المغرب مجموعة من الإشكالات الاجتماعية والقانونية، في ظل ما تفرضه مرحلة ما بعد الانفصال من تحديات على النساء والأطفال. فبعد انتهاء العلاقة الزوجية، تبدأ مرحلة جديدة تتداخل فيها المسؤوليات المادية، والحضانة، والنفقة، وتنظيم التواصل بين الوالدين، فضلا عن الآثار النفسية والاجتماعية التي قد ترافق أفراد الأسرة. ومن خلال الإحصائيات الرسمية وشهادات لنساء عشن تجربة الطلاق، إلى جانب رأي محام متخصص، يسعى هذا التحقيق إلى الوقوف على بعض الأسباب التي تقف وراء الانفصال، والتحديات التي تواجه الأسر بعده.

تكشف معطيات البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، عن مؤشرات مرتبطة بظاهرة الطلاق وأشكالها وتداعياتها في المغرب. ووفق التقرير، بلغ متوسط المعدل السنوي للطلاق 3.6 في الألف على المستوى الوطني، مقابل 4.9 في الألف لدى النساء و2.4 في الألف لدى الرجال. كما سجل الوسط الحضري معدلا قدره 4.3 في الألف، مقابل 2.5 في الألف في الوسط القروي. ويقيس هذا المؤشر متوسط عدد حالات الطلاق سنويا لكل ألف شخص من السكان المتزوجين، اعتمادا على معطيات تمتد لخمس سنوات، بما يسمح بتقليص تأثير التقلبات السنوية.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن متوسط مدة الزواج قبل الطلاق يبلغ تسع سنوات على المستوى الوطني، مع اختلاف بين الوسطين الحضري والقروي، إذ تصل المدة إلى 9.8 سنوات في الوسط الحضري مقابل 6.8 سنوات في الوسط القروي. كما يظهر التقرير أن خطر الطلاق يكون أعلى خلال السنتين الأوليين من الزواج، بمعدل يبلغ 26.8 في الألف، قبل أن يتراجع مع ارتفاع مدة الزواج.

وبخصوص أشكال الطلاق، يوضح البحث أن الطلاق بسبب الشقاق يمثل نحو 49.7 في المائة من الحالات، يليه الطلاق بالتراضي بنسبة 39.2 في المائة، بينما تبقى الأشكال الأخرى، مثل الخلع، محدودة نسبيا.

تتداخل مجموعة من العوامل في نشوء النزاعات الزوجية، من بينها الخلافات المرتبطة بالحياة اليومية، والصعوبات الاقتصادية، والنزاعات مع عائلة الزوج، والعنف الزوجي. ووفق البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025، تمثل الخلافات المنزلية 30.9 في المائة من أسباب الطلاق المصرح بها، تليها الصعوبات الاقتصادية بنسبة 12 في المائة، ثم النزاعات مع عائلة الزوج بنسبة 11.6 في المائة، والعنف الزوجي بنسبة 8.8 في المائة.

وتختلف هذه الأسباب بحسب الجنس؛ إذ تشكل الخلافات المنزلية النسبة الأكبر لدى الرجال، بينما تبرز لدى النساء، إلى جانب الخلافات المنزلية، النزاعات مع عائلة الزوج والعنف الزوجي والصعوبات الاقتصادية.

ولا تقتصر هذه المشكلات على الخلافات بين الزوجين، بل قد تمتد إلى تدبير الحياة اليومية وتقاسم المسؤوليات وتوفير الحاجيات الأساسية. ومن هنا، تبرز أهمية الاستماع إلى الأشخاص الذين عاشوا التجربة، لفهم كيفية تطور الخلافات وتحولها إلى إجراءات تنهي العلاقة الزوجية.

“خ”.. تجربة زواج انتهت بالطلاق دون أطفال

في أحد المقاهي، جلسنا مع “خ، ب”، وهي امرأة مطلقة دون أطفال، وروت لنا تفاصيل تجربتها مع زواج ارتبط منذ بدايته بوعد لم يتحقق. تقول إن الاتفاق كان يقضي بإقامتها مع والدي زوجها لمدة شهر واحد فقط، قبل الانتقال إلى مسكن مستقل، غير أن هذا الاتفاق لم يتحقق، لتجد نفسها تعيش داخل منزل عائلة الزوج، حيث كانت والدته وشقيقته تتدخلان، بحسب روايتها، في عدد من تفاصيل حياتها اليومية.

وتضيف “خ” أنها عانت من معاملة وصفتها بالسيئة، مشيرة إلى أن زوجها كان يمنح جزءا من أمواله لشقيقته المتزوجة، وهو ما زاد، حسب روايتها، من معاناتها المادية والنفسية. واستمر الوضع لفترة، قبل أن تتدهور حالتها الصحية وتضطر إلى الخضوع لعملية جراحية.

وتوضح أنها خلال فترة مرضها عادت إلى بيت أسرتها من أجل تلقي العلاج والرعاية، غير أن زوجها بادر، بحسب روايتها، إلى توجيه إنذار لها ورفع دعوى للمطالبة بعودتها إلى بيت الزوجية. وترى “خ” أن هذه الخطوة كانت ستترتب عليها آثار مرتبطة بالنفقة في حال رفضها العودة.

وأمام استمرار الخلاف، قررت عدم العودة إلى بيت الزوجية واللجوء إلى طلب الطلاق، وهو ما انتهى بإنهاء العلاقة الزوجية.

لكن انتهاء العلاقة رسميا لم يضع حدا، بحسب روايتها، لما واجهته من تداعيات اجتماعية، إذ تقول إنها تعرضت بعد الطلاق لكلام مسيء وإشاعات طالت سمعتها، معبرة عن غضبها بقولها: “الله يأخذ فيهم الحق”.

وتظهر هذه الشهادة أن آثار الطلاق قد تتجاوز الحكم القضائي لتستمر في المحيط الاجتماعي، غير أن الوقائع القانونية التي توردها صاحبة الشهادة، خصوصا ما يتعلق بالدعوى القضائية والآثار المترتبة عنها، تظل مرتبطة بروايتها الشخصية ولا يمكن اعتمادها كوقائع قضائية مؤكدة من دون الاطلاع على الوثائق أو الحكم الصادر في الملف.

“م، س”.. طفلان ومسؤولية تستمر رغم الانفصال

انتقلنا بعد ذلك إلى منزل “م”، وهي أم مطلقة لطفلين، حيث استقبلتنا وتحدثت معنا عن تجربتها في تدبير الحياة الأسرية بعد الانفصال.

وتقول “م” إنها حرصت منذ بداية مرحلة ما بعد الطلاق على وضع مصلحة طفليها في مقدمة الأولويات، من خلال الحفاظ على التواصل والتنسيق مع والدهما.

وأوضحت أن الحضانة والرعاية اليومية للطفلين بقيتا معها، بينما اتفق الطرفان على التشاور بشأن عدد من القرارات المرتبطة بتعليمهما وصحتهما ومستقبلهما. كما اعتمدا، بحسب روايتها، برنامجا مرنا للتواصل والزيارة، بما يسمح باستمرار حضور الأب في حياة طفليه.

وتضيف أن الأب يستطيع التواصل مع الطفلين هاتفيا أو عبر مكالمات الفيديو في أوقات مناسبة، مشيرة إلى أنها تتجنب الحديث أمامهما عن الخلافات المادية أو المشاكل القانونية المرتبطة بالطلاق، حتى لا يتحملا تبعات النزاع بين الوالدين.

وترى “م” أن الفصل بين الخلافات السابقة والمسؤولية المشتركة تجاه الأبناء يساعد على تخفيف آثار الانفصال عليهم. وتظل تجربتها حالة خاصة، إذ تختلف ترتيبات الحضانة والزيارة بحسب الاتفاقات بين الأطراف والأحكام القضائية والظروف الخاصة بكل أسرة.

وفي إطار تعميق البحث القانوني والمهني حول الظاهرة، تواصلنا مع الأستاذ محمد الطايفي، المحامي بهيئة المحامين بمكناس والرشيدية، والذي صرح لـ “The Press” حول طبيعة الملفات التي يتعامل معها عمليا في قضايا الأسرة والطلاق.

وأوضح الأستاذ محمد الطايفي أن من بين الأسباب التي يلاحظها في الملفات المعروضة عليه المشاكل العائلية الناتجة عن تدخل أفراد الأسرة في حياة الزوجين، وما قد يرافق ذلك من تصاعد الخلافات داخل البيت.

وأضاف أن العنف اللفظي والجسدي، وعدم الإنفاق أو ضعف تلبية الحاجيات الأساسية من طرف الزوج، من بين العوامل التي قد تؤدي إلى تفاقم النزاعات، مشيرا كذلك إلى خلافات مرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية، مثل تدبير الأعمال المنزلية وتحضير الوجبات.

وتظل هذه المعطيات تعكس، بحسب طبيعة المصدر، خبرة مهنية لمحام في الملفات التي عالجها، ولا تمثل ترتيبا وطنيا لأسباب الطلاق، وهو ما تؤكده الحاجة إلى التمييز بين المعطيات الإحصائية الرسمية والشهادات أو الآراء المهنية.

النصائح القانونية.. معرفة الحقوق قبل الشروع في الطلاق

وشدد الأستاذ محمد الطايفي، في تصريحه لـ “The Press”، على أهمية معرفة الآثار القانونية المترتبة على الطلاق، خاصة في الحالات التي يكون فيها أطفال، موضحا أن انتهاء العلاقة الزوجية لا ينهي المسؤوليات المرتبطة بالأبناء، بما في ذلك الحضانة والنفقة وتنظيم حق الزيارة.

وتنظم مدونة الأسرة المغربية مجموعة من هذه الحقوق والالتزامات، بما فيها مقتضيات الحضانة والنفقة وسكن المحضون. كما تنص على استمرار الحضانة إلى بلوغ سن الرشد القانوني، مع مقتضيات خاصة بشأن اختيار المحضون لمن يحضنه بعد بلوغه 15 سنة.

وأشار المحامي إلى ضرورة الاستعداد القانوني لمختلف المستحقات المترتبة عن الطلاق، والتي قد تشمل، بحسب الحالة، المتعة ونفقة العدة والسكنى ومستحقات الأبناء، مع التأكيد على أن تحديد المبالغ يخضع للمقتضيات القانونية ولظروف كل ملف وللسلطة التقديرية للمحكمة.

وفيما يخص مساعي الصلح، دعا الأستاذ الطايفي إلى محاولة معالجة الخلافات بشكل غير قضائي كلما كان ذلك ممكنا، والاطلاع على الخيارات القانونية المتاحة، مع ضرورة معرفة شروط كل مسطرة وآثارها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحقوق الأطفال.

أما بشأن مبلغ النفقة الذي ورد في التصريح، والمقدر بنحو ألف درهم للابن الواحد شهريا، فلا ينبغي تقديمه باعتباره مبلغا موحدا أو قاعدة قانونية عامة، لأن تقدير النفقة يختلف بحسب وضعية المكلف بها واحتياجات المستفيد والظروف الخاصة بكل ملف، ويحدد في إطار المسطرة القضائية.

تنظم مدونة الأسرة المغربية مساطر الطلاق والتطليق، وتحدد مجموعة من الحقوق والالتزامات المرتبطة بانتهاء العلاقة الزوجية، بما في ذلك الحضانة والنفقة وحقوق الزيارة. وتوفر وزارة العدل كذلك معلومات حول المساطر المتعلقة بالطلاق والتطليق والصلح في قضايا الأسرة والنفقة والحضانة.

وفي أبريل 2025، نظمت وزارة العدل ندوة دولية حول الاعتراف بقيمة العمل المنزلي غير المؤدى عنه في حالات الطلاق، في سياق ورش إصلاح مدونة الأسرة، وهو ما يعكس استمرار النقاش المؤسساتي حول عدد من القضايا المرتبطة بانتهاء العلاقة الزوجية والحقوق المالية للزوجين.

ويطرح ذلك تساؤلات حول مدى قدرة آليات الصلح والإصلاح الأسري على الحد من النزاعات قبل تفاقمها، مع ضرورة مراعاة حقوق الأطراف وسلامتهم، خصوصا في حالات العنف.

يكشف هذا التحقيق عن قضية تتداخل فيها الأبعاد الأسرية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، إذ لا تتوقف آثار الانفصال عند حدود إنهاء عقد الزواج، بل تمتد إلى ظروف النساء، واستقرار الأطفال، وتنظيم المسؤوليات بين الوالدين.

وتظهر المعطيات الرسمية أن الطلاق يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها الخلافات المنزلية والصعوبات الاقتصادية والنزاعات مع عائلة الزوج والعنف الزوجي. كما تكشف المعطيات أن مرحلة ما بعد الطلاق تطرح بدورها تحديات مرتبطة بالحضانة والدعم المالي، إذ أفادت 67.3 في المائة من النساء المطلقات اللواتي شملهن البحث بأن النفقة المخصصة لهن لا تغطي احتياجاتهن، بينما اعتبرت 83.5 في المائة أن النفقة المخصصة لأطفالهن غير كافية.

وفي المقابل، تبرز الشهادات التي استقيناها اختلاف التجارب الفردية؛ فبينما تصف “خ” مسارا اتسم بالخلافات والضغوط الاجتماعية، تقدم “م” تجربة مختلفة في تدبير مسؤوليات الأبوة والأمومة بعد الانفصال. أما الرأي المهني للمحامي محمد الطايفي، فيسلط الضوء على أهمية معرفة الحقوق والالتزامات القانونية قبل وأثناء وبعد مسطرة الطلاق.

وبينما يوفر القانون إطارا لتنظيم الطلاق والحقوق المترتبة عنه، تظل مرحلة ما بعد الانفصال مرتبطة أيضا بالظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر وبمدى قدرتها على مواصلة رعاية الأطفال وتدبير المسؤوليات الجديدة. وهو ما يفتح النقاش حول فعالية آليات الصلح والوساطة والدعم الاجتماعي والقانوني للأسر بعد انتهاء العلاقة الزوجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

بوريطة يدعو لتحرك دولي ضد الجماعات المسلحة ويحذر من “الحرب بالوكالة”

المقالات ذات الصلة