تحليل أمريكي: أحداث سبتة نتاج انسداد الآفاق وتضليل منصات التواصل

اعتبرت ورقة تحليلية أن الروايات التي رافقت موجة المهاجرين غير النظاميين المتوجهين إلى سبتة نهاية يوليوز الماضي، والتي وصفت الواقعة بأنها « غزو»، تفتقر إلى أساس، محذرة من تداعياتها لما تحمله من إثارة للقلق واستقطاب سياسي وصورة نمطية عن المهاجرين.

وأوضحت الورقة، التي نشرتها اللجنة الأمريكية للاجئين والمهاجرين (USCRI)، أن هذه السرديات تندرج ضمن مسعى أوسع لاستغلال المشاهد الحدودية ذات التغطية الإعلامية الواسعة لتقديم المهاجرين باعتبارهم مجرمين يشكلون خطرا ينبغي منعه من دخول أوروبا، داعية إلى وضع أحداث سبتة ضمن سياقها السياسي والاجتماعي والإنساني الأوسع قبل الوقوف عند تفاصيلها.

وأرجعت الورقة موجة العبور الجماعي إلى مجموعة من العوامل، من بينها برنامج تسوية أوضاع المهاجرين الذي أطلقته إسبانيا في أبريل 2026، وما أثير بشأن احتمال فتح المغرب حدوده ردا على ذلك. غير أنها أشارت إلى تشكيك جهات عدة في وجود صلة مباشرة بين البرنامج والموجة، خصوصا أن عملية التسوية كانت قد انتهت قبل شهر من بدء عمليات العبور.

وبحسب المصدر ذاته، تمثل العامل المباشر في حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 29 يونيو، وقضى بإخضاع المهاجرين الذين يصلون بحرا للإجراءات العادية المعمول بها في مجال الهجرة. وأشارت الورقة إلى أن الحكم أسيء تفسيره على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت رسائل تفيد بأن الوصول إلى إسبانيا عبر البحر يمنع ترحيل المهاجرين.

وأضافت أن هذه الرسائل رافقها تداول شعار يفيد بأن «الحدود الإسبانية مفتوحة ويمكن العبور من دون أوراق»، قبل أن تتحول الدعوات إلى عملية حشد عبر الإنترنت باستخدام منصات «تيك توك» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«واتساب». وشملت المعلومات المتداولة مواقع لبيع معدات السباحة وخرائط عبر «غوغل» تحدد مناطق تقل فيها المراقبة الأمنية.

وترى الورقة أن هذه الحملة بدت لدى عدد من الشباب المغاربة الذين يشعرون بانسداد آفاق المستقبل بمثابة «ضوء في نهاية النفق»، خصوصا في ظل ارتفاع البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما إلى 29.2 في المائة. كما ربطت الظاهرة بمحدودية فرص الدراسة والعمل القانونية المتاحة أمام الشباب في الاتحاد الأوروبي، وبالاحتجاجات التي شهدتها أكثر من اثنتي عشرة مدينة مغربية خلال عام 2025، والتي عبر خلالها جيل «زد» عن رفضه لانعدام الفرص وعدم المساواة.

وبشأن حصيلة الأحداث، ذكرت الورقة أنه خلال يومي 30 و31 يوليوز عبر نحو 72 ألف مهاجر الحدود باتجاه سبتة، بينهم أشخاص من جنسيات أخرى غير المغربية، من بينها السودان وأفغانستان. وأضافت أن عملية العبور خلفت وفيات وإصابات، بعدما غرق بعض المهاجرين وقتل آخرون في حوادث تدافع أثناء محاولتهم تجاوز الحاجز الحدودي.

وأشارت إلى أن السلطات المغربية استخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لمنع المهاجرين من الوصول إلى سبتة، بينما تراوحت تقديرات الوفيات، بحسب المصادر التي استندت إليها الورقة، بين 100 و141 حالة، مع استمرار فقدان العشرات.

وأوضحت أن غالبية الذين دخلوا سبتة في أواخر يوليوز أعيدوا إلى المغرب في إطار التعاون بين الرباط ومدريد، في حين ظل في المدينة نحو ألف قاصر غير مصحوبين بذويهم ممن شاركوا في عملية العبور.

وفي هذا السياق، ذكرت الورقة أن إصلاح قانون الهجرة الإسباني لعام 2025 ينص على إعادة توزيع القاصرين غير المصحوبين من المناطق التي تواجه ضغطا كبيرا خلال 15 يوما من استكمال ملفاتهم. وبناء على ذلك، وافقت الحكومة الإسبانية على تخصيص 25 مليون يورو لدعم هؤلاء القاصرين، مع إمكانية نقلهم إلى إسبانيا القارية.

وأضافت أن مفوض الاتحاد الأوروبي المكلف بالهجرة، ماغنوس برونر، أكد في 31 يوليوز أنه «لم يعبر أي شخص» إلى إسبانيا القارية، في وقت ربطت فيه بعض الروايات السياسية والإعلامية أحداث سبتة باحتمال انتقال المهاجرين إلى بلدان أوروبية أخرى.

ولم تغفل الورقة الجانب الإنساني للأحداث، مشيرة إلى أن تداعيات عملية العبور امتدت إلى مدينة الفنيدق، حيث تجمع أفراد من عائلات المهاجرين بحثا عن أخبار أقاربهم ومعرفة مصيرهم. واستحضرت في هذا السياق قصة عامل زراعي ظل يبحث عن شقيقه البالغ 17 عاما، بعدما عاد اثنان من أصدقائه فيما بقي شقيقه مفقودا.

كما تحدثت عن آباء وأمهات كانوا يعرضون صور أبنائهم وأقاربهم قرب السياج الحدودي، أملا في الحصول على معلومات بشأن مصيرهم، مؤكدة أن الأشخاص الذين تظهر أعدادهم في إحصاءات الهجرة ليسوا مجرد أرقام، بل هم أبناء وإخوة وأخوات وأفراد لعائلات تستمر في مواجهة تداعيات المأساة حتى بعد تراجع الاهتمام الإعلامي بالأحداث.

وفي جانب آخر، ذكرت الورقة أن المغرب ظل شريكا للاتحاد الأوروبي في مجال مراقبة الهجرة نحو أوروبا، مستشهدة ببرنامج أوروبي أطلق سنة 2023 في إطار أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي «أوروبا العالمية»، وخصص 152 مليون يورو لتعزيز أنظمة إدارة الحدود في المغرب.

واعتبرت أن أوروبا تنظر إلى المغرب باعتباره إحدى بوابات الوصول إليها، وأن التعاون في مجال الهجرة يندرج ضمن توجه أوسع لنقل جزء من مسؤولية مراقبة الحدود الأوروبية إلى دول تقع خارج الحدود الفعلية للاتحاد الأوروبي.

وأبرزت الورقة المفارقة القائمة بين حرية تنقل مواطني الاتحاد الأوروبي إلى المغرب دون تأشيرة، وبين المخاطر التي يواجهها مغاربة ومهاجرون من دول الجنوب العالمي أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا بحثا عن فرص العمل أو هربا من الاضطهاد. وأشارت إلى تسجيل 2185 حالة وفاة أو فقدان لمهاجرين في البحر الأبيض المتوسط خلال عام 2025.

كما انتقدت استغلال بعض وسائل الإعلام للواقعة والصور المرتبطة بها لتكريس رواية «الغزو والإجرام»، مشيرة إلى أن عددا من القادة الأوروبيين ذهبوا إلى حد الادعاء بأن المهاجرين كانوا في طريقهم إلى بلدان أوروبية أخرى، من بينها ألمانيا وإيطاليا.

وفي المقابل، نقلت الورقة عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إدانته لما وصفه بـ«رد الفعل الأناني والاستقطابي وغير القانوني» من جانب بعض الدول الأوروبية، بعدما شددت دول، من بينها إيطاليا وفرنسا، إجراءات مراقبة حدودها أمام القادمين من إسبانيا.

وخلصت الورقة إلى أن تحويل المشاهد الحدودية إلى «استعراض» إعلامي ليس ظاهرة جديدة، كما أن الخسائر البشرية المرتبطة بها ليست جديدة أيضا، داعية إلى قراءة أحداث سبتة في إطارها الإنساني والسياسي الأوسع، وعدم اختزال المهاجرين في الصور والأرقام والسرديات التي ترافق عمليات العبور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

المغرب يحافظ على صدارة شمال إفريقيا في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026

المقالات ذات الصلة