عيد العرش.. سبعة وعشرون عاما من الإصلاحات والأوراش الكبرى

يحل عيد العرش في الثلاثين من يوليوز من كل عام، حاملا معه رمزية وطنية خاصة لدى المغاربة، باعتباره مناسبة لتجديد أواصر البيعة والوفاء بين العرش والشعب، واستحضار مسار المملكة منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، بعد وفاة والده الملك الحسن الثاني، وهي مرحلة اتسمت بإطلاق سلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مشاريع هيكلية كبرى غيرت ملامح المغرب وعززت حضوره على المستويين الإقليمي والدولي.

فمنذ الأيام الأولى لتوليه العرش، وضع الملك محمد السادس التنمية البشرية وتحسين أوضاع المواطنين في صلب أولويات المرحلة. وانطلقت أوراش لمحاربة الفقر والهشاشة، قبل أن يتم سنة 2005 إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي شكلت أحد أبرز المشاريع الاجتماعية بالمملكة، واستهدفت دعم الفئات الهشة وتمويل المشاريع المدرة للدخل وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.

وعلى المستوى السياسي، شهد المغرب إصلاحات متتالية توجت باعتماد دستور سنة 2011، الذي جاء في سياق الحراك الإقليمي، وعزز اختصاصات رئيس الحكومة والبرلمان، ورسخ عددا من الحقوق والحريات، كما كرس الطابع التعددي للمملكة، وأقر الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية.

اقتصاديا، انخرط المغرب في استراتيجية تقوم على تنويع مصادر النمو وتقوية البنيات التحتية. فشهدت المملكة إنجاز مشاريع كبرى، أبرزها ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى واحد من أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، إلى جانب توسعة شبكة الطرق السيارة والطرق السريعة، وتطوير المطارات، وإطلاق القطار فائق السرعة “البراق”، ليصبح المغرب أول بلد إفريقي يعتمد هذا النوع من النقل.

كما راهنت المملكة على الطاقات المتجددة، من خلال إطلاق مركب “نور” للطاقة الشمسية بورزازات، والاستثمار في مشاريع الطاقة الريحية والهيدروجين الأخضر، بهدف تعزيز الأمن الطاقي وتقليص الاعتماد على الطاقات الأحفورية، تماشيا مع التوجهات العالمية في مجال الانتقال الطاقي.

وفي المجال الصناعي، عرف المغرب طفرة مهمة بفضل تطوير منظومات صناعية جديدة، خاصة في قطاعي السيارات والطيران، حيث أصبحت المملكة من أبرز المنتجين والمصدرين للسيارات في القارة الإفريقية، واستقطبت استثمارات دولية كبرى، مما ساهم في خلق فرص الشغل وتعزيز الصادرات.

أما في القطاع الاجتماعي، فقد شكل تعميم الحماية الاجتماعية أحد أكبر الأوراش خلال السنوات الأخيرة، إذ أطلق المغرب إصلاحا شاملا يهدف إلى تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، والتقاعد، والتعويض عن فقدان الشغل، بما يضمن توسيع مظلة الحماية لفائدة ملايين المواطنين.

وفي المجال الصحي، كشفت جائحة كوفيد-19 عن قدرة المملكة على تدبير الأزمات، سواء عبر إطلاق حملة وطنية واسعة للتلقيح، أو من خلال إنشاء وحدات صناعية لإنتاج اللقاحات، فضلا عن مواصلة إصلاح المنظومة الصحية وبناء مستشفيات جامعية ومؤسسات علاجية جديدة.

دبلوماسيا، عزز المغرب حضوره على الساحة الدولية، إذ عاد سنة 2017 إلى الاتحاد الإفريقي بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود، كما شهد ملف الصحراء المغربية تحولات بارزة، مع تزايد عدد الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع، وافتتاح عشرات القنصليات في مدينتي العيون والداخلة، إلى جانب اعتراف عدد من الدول بمغربية الصحراء أو دعمها الصريح للمبادرة المغربية.

وعلى المستوى الإفريقي، اعتمد المغرب سياسة تقوم على الشراكة جنوب-جنوب، من خلال الاستثمار في قطاعات الأبناك والاتصالات والفلاحة والأسمدة، إضافة إلى إطلاق مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يهدف إلى ربط المغرب بعدد من دول غرب إفريقيا في إطار رؤية للتكامل الاقتصادي والقاري.

كما شهدت السياسة المائية تحولا استراتيجيا بفعل توالي سنوات الجفاف، حيث أطلق المغرب برنامجا وطنيا لبناء السدود، وإنجاز محطات لتحلية مياه البحر، ومشاريع للربط بين الأحواض المائية، لضمان الأمن المائي في ظل التغيرات المناخية.

وفي المجال الرياضي، عزز المغرب مكانته قاريا ودوليا، سواء من خلال احتضانه عددا من التظاهرات الرياضية الكبرى، أو بفضل الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022، الذي بلغ نصف النهائي لأول مرة في تاريخ المنتخبات العربية والإفريقية، قبل أن يتوج هذا المسار بفوز المملكة بحق تنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال.

واليوم، وبعد سبعة وعشرين عاما من اعتلاء الملك محمد السادس العرش، يواصل المغرب تنزيل أوراش استراتيجية ترتبط بالسيادة الغذائية والمائية، الانتقال الرقمي، الطاقات النظيفة، والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، في أفق تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحقيق تنمية أكثر شمولا واستدامة.

ويبقى عيد العرش أكثر من مجرد ذكرى وطنية، فهو محطة سنوية لتقييم مسار المملكة، واستحضار ما تحقق من إصلاحات ومنجزات، وتجديد الالتزام بمواصلة العمل لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ مكانة المغرب كفاعل إقليمي ودولي يحظى بحضور متزايد على مختلف الأصعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

بمناسبة عيد العرش.. الملك محمد السادس يوجّه خطابا ساميا إلى الشعب

المقالات ذات الصلة