أكد تقرير حديث صادر عن منصة “ميليتاري أفريكا”، المتخصصة في الشؤون الدفاعية، أن تحقيق الجيوش الإفريقية للانتصار في حروب الجيل الخامس يفرض إحداث تحول عميق لا يقتصر على تحديث العتاد، بل يشمل أيضا مراجعة العقيدة العسكرية وتغيير العقليات وإعادة هيكلة المؤسسات. وأبرز أن طبيعة الحروب في القارة تغيرت بشكل جذري، حيث لم تعد المواجهات تقليدية بخطوط أمامية واضحة، بل أصبحت أكثر تعقيدا وتعتمد على الإيديولوجيا والمعلومات والضغط الاقتصادي واستغلال الفراغات الأمنية.
وأوضح التقرير، المعنون بـ”الانتصار في الحرب غير المرئية.. كيف تتكيف الجيوش الإفريقية مع حروب الجيل الخامس”، أن مناطق الساحل والقرن الإفريقي وحوض بحيرة تشاد وسواحل موزمبيق لم تعد تواجه تمردات تقليدية، بل منظومة معقدة من التهديدات المتداخلة، جعلت المقاربات العسكرية الكلاسيكية غير كافية. كما أشار إلى أن الجماعات الجهادية تحولت من حركات محلية إلى شبكات عابرة للحدود تستند إلى دعم إيديولوجي عالمي.
وسجل المصدر ذاته استمرار النزاعات الحدودية والتوترات الإقليمية، مثل مثلث إثيوبيا-إريتريا-الصومال، إضافة إلى الخلافات بين السودان وجنوب السودان، وبين الكاميرون ونيجيريا، فضلا عن دول الساحل، موضحا أن هذه الأوضاع تُستغل من قبل جماعات مسلحة وفاعلين خارجيين عبر تمويل الوكلاء ونشر التضليل الإعلامي، في إطار ما وصفه بتطبيق فعلي لحروب الجيل الخامس.
وأشار التقرير إلى أن تراكم هذه العوامل يعمق حالة انعدام الأمن، ويغذي الفقر الذي بدوره يسهم في التجنيد، فيما تتحول المناطق الهشة إلى بيئات جاذبة للعنف. وشدد على أن الانتصار في هذا النوع من الحروب يتطلب الاستثمار في الاستخبارات، خاصة البشرية منها، عبر تكوين عناصر قادرة على تتبع شبكات التجنيد والتمويل وتحليل الخطابات المتطرفة قبل تحولها إلى أعمال عنف.
كما أبرز أهمية كسب “حرب السرديات”، مذكرا بقدرة الجماعات المتطرفة على توظيف الخطاب الدعائي لتقديم نفسها كمدافع عن الفئات الهشة، مقابل تصوير الحكومات ككيانات فاسدة. ودعا إلى اعتماد تواصل استراتيجي فعال وموثوق، يستند إلى اللغات المحلية والتواصل المباشر مع المجتمعات، مع تعزيز آليات المساءلة لتفادي أي تجاوزات قد تستغل دعائيا.
وفي الجانب التكنولوجي، أكد التقرير أن الجيوش الإفريقية ليست مطالبة بمجاراة قدرات القوى الكبرى، لكنها مطالبة على الأقل بتقليص الفجوة مع خصومها من الفاعلين غير الدوليين، من خلال توظيف الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، وتعزيز الأمن السيبراني، واستغلال أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
كما شدد على أن طبيعة هذه التهديدات العابرة للحدود تفرض تنسيقا قاريا، مشيرا إلى أن جماعات مثل “الشباب” و”نصرة الإسلام والمسلمين” تنشط خارج حدود الدول، ما يستدعي تعاونا إقليميا فعالا، مع الحفاظ على استقلالية القرار الاستراتيجي الإفريقي في ما يتعلق بالشراكات العسكرية الخارجية.
وخلص التقرير إلى أن حروب الجيل الخامس لا تُعلن بشكل مباشر، بل تتسلل عبر الفضاء المعلوماتي وتستغل الأزمات الاقتصادية والانقسامات المجتمعية، مؤكدا أن الجيوش التي ستنجح مستقبلا ليست تلك التي تمتلك أقوى الأسلحة، بل التي تتوفر على رؤية استراتيجية واضحة، وثقة مجتمعية، ومنظومة استخبارات قوية، وقدرة على بناء سردية مقنعة حول أهدافها.