لم يعد التصعيد الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل حدثا عابرا في سياق توتر مزمن، بل تحول إلى لحظة مفصلية تعيد طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام حرب لإعادة رسم توازنات المنطقة، أم أمام مشروع لفرض واقع سياسي جديد بالقوة؟
فمع انهيار مسارات التفاوض وانتقال المواجهة من ساحات الظل إلى الصدام المباشر، سقطت قواعد الاشتباك القديمة، وبدأت ملامح مرحلة مختلفة تتشكل، مرحلة لا تقوم على إدارة الأزمات، بل على حسمها. وفي ظل هذا التحول، تتباين القراءات بين من يرى المنطقة تنزلق نحو فوضى واسعة ومفتوحة، ومن يعتبر أن اختلال ميزان القوى قد يسرع الحسم ويفرض معادلة سلام جديدة.
بين هذين الطرحين، يقف الشرق الأوسط أمام اختبار تاريخي قد يحدد ملامحه لعقود قادمة.
جغرافيا مفتوحة على كل الاحتمالات
يرى الكاتب والمحلل السياسي الأردني إيهاب كيالي في تصريح خص به THE PRESS، أن ما يحدث يمثل انهيارا فعليا لفكرة “الدول العازلة”. فالعراق ولبنان وسوريا لم تعد ساحات تصفية حسابات غير مباشرة، بل تحولت إلى جبهات استراتيجية مفتوحة، يستثمر فيها الفراغ السياسي كعامل تسريع للانخراط الكامل، سواء كمنصات انطلاق أو كأهداف مباشرة.
ويحذر كيالي من “عولمة الصراع عبر الممرات”، بعدما انتقل التهديد لمضيق هرمز وباب المندب من ورقة ضغط سياسية إلى احتمال عملياتي فعلي، ما يضع القوى الكبرى أمام خيارين أحلاهما مر: تدخل مباشر لحماية التجارة العالمية، أو القبول بهزات اقتصادية عنيفة قد تدفع بأسعار الطاقة والشحن إلى مستويات غير مسبوقة.
التنمية في مهب الحرب
في قراءة كيالي، تأتي الحرب في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. دول الخليج، وعلى رأسها السعودية بمشاريعها التنموية الكبرى، تسعى لتحويل المنطقة إلى مركز جذب اقتصادي عالمي. لكن اتساع المواجهة يهدد بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
المنطقة، بحسب توصيفه، ليست فقط غير مهيأة لحرب استنزاف طويلة، بل هي في أضعف حالاتها لتحملها. توقف الاستثمارات، هروب رؤوس الأموال، وتآكل الثقة بالأسواق قد يحول الشرق الأوسط إلى “منطقة طاردة” لعقود، بدل أن يكون منصة صاعدة في الاقتصاد العالمي.
تحطم قواعد الاشتباك
كيالي يعتبر أن ما نشهده هو سقوط للهياكل الأمنية القديمة. “حروب الظل” انتهت، وقواعد الردع التقليدية تآكلت. الضربات المباشرة من الأراضي إلى الأراضي أصبحت القاعدة الجديدة، فيما تراجع دور الوكلاء لصالح المواجهة المباشرة بين التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية/الأمريكية والقدرات الصاروخية والمسيرات الإيرانية.
الأخطر، بحسبه، هو غياب قنوات اتصال دبلوماسية فعالة بعد انهيار المفاوضات، ما يرفع احتمالات “الخطأ القاتل” والانزلاق إلى حرب شاملة غير محكومة.
حسم سريع بدل حرب طويلة
في المقابل، يقول الدكتور والمحلل السياسي اللبناني طوني تيسي في تصريح خص به THE PRESS إن اغتيال المرشد الإيراني في بداية الحرب، وغياب القيادة المركزية القادرة على توجيه الأذرع الإقليمية، أدى إلى حالة ارتباك داخل ما يعرف بمحور إيران، وقلص من فرص توسع الحرب في مرحلتها الحالية.
ويشير تيسي إلى أن القرار، من وجهة نظر واشنطن، يتجه نحو تجريد ما تسميه “محور الشر” من السلاح، ما يعني أن الساحات قد لا تتوقف عند إيران وحدها، وإن كان الخلل في توازن القوى قد يحسم المعركة سريعا ويمنع انزلاقها إلى حرب طويلة ومفتوحة.
الأهم في طرحه أن ما يحدث ليس مجرد تصعيد، بل “تغيير جذري في قواعد اللعبة”، هدفه بحسب رؤيته فرض واقع جديد يدفع المنطقة نحو مشروع سلام تتشاركه الولايات المتحدة ودول إقليمية، بما يعني أن زمن التفاوض التقليدي قد انتهى.
بين إعادة التشكيل والحسم السريع
وبين طرح كيالي الذي يحذر من “نفق إعادة التشكيل القسري” بكلفة بشرية واقتصادية باهظة، ورؤية تيسي التي تتحدث عن حسم سريع يعيد صياغة موازين القوى ويفرض مشروع سلام جديد، تبقى المنطقة على مفترق طرق تاريخي.