في شهر رمضان، تتغير ملامح الأسواق وتفوح رائحة التمور في الأزقة والساحات، حيث يحتل بائع التمور مكانة خاصة في المشهد اليومي. فهذه المهنة، وإن بدت موسمية في ظاهرها، فإنها تحمل أبعادا دينية واجتماعية واقتصادية تتجاوز مجرد بيع سلعة غذائية.
التمر ليس مجرد فاكهة مجففة، بل هو عنصر رمزي يرتبط بثقافة الإفطار في المجتمعات الإسلامية، اقتداء بالسنة النبوية في كسر الصيام على تمر وماء. لذلك، يتحول الإقبال عليه إلى طقس يومي خلال الشهر الفضيل، وتنتعش تجارة التمور بشكل لافت، سواء في الأسواق الشعبية أو المتاجر العصرية.
في المغرب، كما في عدد من الدول العربية، يبدأ بائعو التمور استعداداتهم قبل أسابيع من حلول الشهر الكريم. تتنوع المعروضات بين تمور محلية وأخرى مستوردة، بأصناف وأحجام وأسعار مختلفة، لتلائم القدرة الشرائية لمختلف الفئات. ويحرص كثير من التجار على تحسين عرض سلعهم، عبر ترتيبها في أوانٍ تقليدية أو علب مزخرفة، ما يضفي على المشهد بعدا احتفاليا خاصا.
غير أن تجارة التمور لا تقتصر على بعدها الاقتصادي فقط، فهي أيضا مساحة للتواصل الاجتماعي. يقف الزبائن يتبادلون أطراف الحديث حول جودة الصنف أو بلد المنشأ أو وصفات الحلويات الرمضانية. كما تشكل بعض نقاط البيع فضاء للتكافل، إذ يقبل المحسنون على شراء كميات لتوزيعها على الأسر المعوزة أو للمساهمة في موائد الإفطار الجماعي.
وتعد هذه التجارة مصدر رزق موسمي لعدد من الأسر، حيث يعتمد بعض الباعة على أرباح رمضان لتغطية جزء مهم من مصاريفهم السنوية. وبين العرض والطلب، يظل التحدي الأكبر هو الحفاظ على جودة المنتوج وضبط الأسعار، خاصة في ظل تقلبات السوق وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل.
في النهاية، يبقى بائع التمور شاهدا على تلاقي الاقتصاد بالدين، والتجارة بالعادات، في مشهد يتكرر كل عام. فمع كل أذان مغرب، حين تمتد الأيدي نحو حبات التمر، تتجدد رمزية هذه المهنة التي تجمع بين البساطة والعمق، وتؤكد أن بعض المهن، وإن بدت عابرة، تحمل في طياتها روح المجتمع وهويته.