من حماية المستهلك إلى تهديد الوظائف.. كيف سيؤثر القرار الفرنسي الجديد على المغرب؟

تدخل فرنسا، ابتداء من الثلاثاء 11 غشت الجاري، مرحلة جديدة في تنظيم التسويق الهاتفي، مع دخول قواعد قانونية تمنع الاتصال بالمستهلكين لأغراض تجارية دون الحصول مسبقا على موافقتهم الصريحة. ويأتي هذا التحول في إطار تشديد حماية المستهلك والحد من المكالمات التجارية المزعجة والممارسات التي قد تستغل المستهلكين أو تعرضهم لعمليات احتيال.

وبموجب النظام الجديد، لن يكون بإمكان الشركات الاتصال هاتفيا بالمستهلكين بشكل عشوائي لعرض منتجات أو خدمات، إذ يصبح الحصول على الموافقة المسبقة شرطا أساسيا لإجراء هذا النوع من الاتصالات. كما أن أي عقد يبرم نتيجة عملية تسويق هاتفي تمت بالمخالفة للقواعد الجديدة سيكون معرضا للبطلان. 

ويمثل القرار تحولا مهما في طريقة تعامل فرنسا مع التسويق الهاتفي. فبدل النظام السابق الذي كان يقوم أساسا على تمكين المستهلك من التسجيل في قائمة “Bloctel” لرفض المكالمات التجارية، تنتقل القواعد الجديدة إلى مبدأ أكثر تشددا يقوم على الموافقة المسبقة.

وبذلك، يصبح الأصل هو منع الاتصال التجاري، والاستثناء هو الحالات التي يكون فيها المستهلك قد أعطى موافقته بشكل واضح، حر، محدد، وقابل للسحب. كما ينتهي العمل بخدمة “Bloctel” اعتبارا من 11 غشت، بالتزامن مع دخول النظام الجديد حيز التنفيذ.

ولا يقتصر الأمر على منع المكالمات غير المرغوب فيها، إذ تلزم القواعد الجديدة الشركات بإخبار المستهلك، عند جمع بياناته الهاتفية، بأن الاتصال التجاري يتطلب موافقته المسبقة، مع وضع شروط دقيقة لكيفية جمع هذه الموافقة والاحتفاظ بها وإمكانية سحبها. 

ورغم أن القرار فرنسي في الأساس، فإن تداعياته تتجاوز الحدود الفرنسية، بالنظر إلى الارتباط القوي بين السوق الفرنسية وقطاع مراكز الاتصال وخدمات التعهيد بالمغرب.

فعدد من الشركات العاملة في مجال مراكز الاتصال بالمغرب تعتمد على السوق الفرنسية في تقديم خدماتها، ما يجعل أي تغيير كبير في قواعد التسويق الهاتفي بفرنسا عاملا مؤثرا في نموذج أعمال بعض هذه الشركات، خصوصا المؤسسات التي يرتكز نشاطها بشكل كبير على المكالمات التجارية الصادرة.

وكانت مخاوف من تأثير القرار الفرنسي على قطاع مراكز الاتصال بالمغرب قد برزت منذ الإعلان عنه، مع تحذيرات من احتمال تعرض بعض الوظائف لضغوط، خاصة داخل الشركات الصغيرة أو تلك التي تعتمد على نشاط التسويق الهاتفي بشكل أساسي.

ومع ذلك، لا يعني دخول القانون الفرنسي حيز التنفيذ بالضرورة انهيار قطاع مراكز الاتصال بالمغرب أو فقدان آلاف الوظائف دفعة واحدة، إذ تختلف درجة التأثر بحسب طبيعة الخدمات التي تقدمها كل شركة.

فمراكز الاتصال التي تركز على خدمة الزبناء، الدعم التقني، معالجة الشكايات، وإدارة العلاقات مع العملاء، لن تكون في الوضع نفسه الذي ستكون عليه الشركات التي تعتمد بشكل أساسي على الاتصال الهاتفي البارد بهدف استقطاب زبناء جدد.

كما أن القانون لا يمنع الاتصالات المرتبطة بتنفيذ عقد قائم في الحالات التي يسمح بها القانون، فيما يستثني كذلك بعض عمليات الترويج المتعلقة ببيع الصحف والدوريات والمجلات. 

ويضع القرار الفرنسي قطاع الأوفشورينغ المغربي أمام تحد يتجاوز مجرد الامتثال للقواعد الجديدة، ويفتح النقاش حول قدرة الشركات المغربية على الانتقال من نموذج يعتمد على كثافة المكالمات الصادرة إلى خدمات ذات قيمة مضافة أكبر.

وقد يدفع التحول الجديد الشركات إلى الاستثمار أكثر في خدمة الزبناء، الدعم التقني، الخدمات الرقمية، إدارة البيانات، والذكاء الاصطناعي، فضلا عن تطوير حلول تسمح باستهداف العملاء الذين سبق لهم التعبير عن رغبتهم في تلقي عروض تجارية.

وبهذا المعنى، قد يشكل القرار الفرنسي ضغطا على بعض الفاعلين في القطاع، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يتحول إلى فرصة لإعادة هيكلة النشاط والانتقال نحو خدمات أكثر تخصصا وأقل اعتمادا على الاتصال التجاري العشوائي.

وتراهن السلطات الفرنسية من خلال النظام الجديد على الحد من الإزعاج الذي تسببه المكالمات التجارية غير المرغوب فيها، وتعزيز حماية المستهلك من الممارسات التجارية العدوانية والاحتيالية. ويأتي ذلك بعد سنوات من الانتقادات الموجهة إلى نظام التسويق الهاتفي السابق، الذي لم يمنع بشكل كامل تدفق المكالمات غير المرغوب فيها. 

لكن في المقابل، يطرح القرار أسئلة اقتصادية واجتماعية بالنسبة للدول التي تطورت فيها صناعة مراكز الاتصال لخدمة السوق الفرنسية، ومن بينها المغرب.

وبينما تدخل فرنسا مرحلة جديدة تجعل الموافقة المسبقة أساسا لأي تسويق هاتفي تجاري، يجد قطاع مراكز الاتصال بالمغرب نفسه أمام ضرورة التكيف مع واقع جديد قد يعيد رسم خريطة الوظائف والخدمات المرتبطة بالسوق الفرنسية، ويجعل تنويع النشاط ورفع القيمة المضافة من أبرز رهانات المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

مرشحة “البام” بأنفا تصعد قضائيا ضد حملات التشهير والسب والقذف

المقالات ذات الصلة