بقلم أنس شاكر، خبير في الذكاء الاصطناعي
لم يعد السؤال، بعد بلاغ الديوان الملكي، مقتصراً على تداعيات الفيتو الروسي داخل مجلس الأمن. فقد اختار المغرب إعطاء عدم تمديد مهمة المينورسو معنى سياسياً واستراتيجياً واضحاً: إنهاء مرحلة امتدت خمسة وثلاثين عاماً، وفتح مسار يرمي إلى الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة.
بهذا الموقف، انتقلت الرباط سريعاً من تلقي نتائج التصويت إلى تحديد دلالاتها ورسم اتجاه المرحلة المقبلة. فما كان يمكن تقديمه باعتباره تعطيلًا للمشروع الأمريكي، حوّله المغرب إلى إعلان انتصار سياسي على منطق الجمود. وتلك هي نقطة التحول الأساسية: جعل التعطيل يرتب كلفة على الوضع القائم، بدل أن يضمن استمراره.
لقد استطاعت روسيا منع اعتماد المشروع الأمريكي، لكنها لم تستطع فرض التجديد بالصيغة التي اقترحتها. ومن هنا تبرز مفارقة استراتيجية مهمة: محاولة الحفاظ على الإطار السابق فتحت الباب أمام تجاوزه. وقد التقط المغرب هذه اللحظة ليؤكد أن العودة إلى التدبير المعتاد لم تعد خياراً يقبل به، وأن حضوره في صحرائه ومستقبل أقاليمه الجنوبية لا يرتهنان بدورة التصويت السنوية.
البلاغ الملكي، بهذا المعنى، إعلان مبادرة وقرار. فالمغرب حدّد موقفه من مستقبل البعثة، ووضع إنهاء وجودها في صلب المرحلة الجديدة. وأصبحت الخطوات المقبلة تتعلق بترجمة هذا القرار إلى ترتيبات عملية واضحة، عبر مخاطبة الأمم المتحدة، وتنسيق المواقف مع الحلفاء، وتنظيم مغادرة الطواقم والمعدات، مع ضمان الأمن والاستقرار خلال الانتقال.
كما أن المطالبة بإنهاء إحالة الملف على مجلس الأمن تحمل رسالة سياسية حازمة: المغرب يريد إغلاق دورة الاجتماعات والتقارير التي صاحبت استمرار النزاع دون تسويته. وهذا هدف ستتحرك الدبلوماسية المغربية لتكريسه داخل الهيئات المعنية، انطلاقاً من موقف معلن ومن رصيد دولي راكمته المملكة. فالقرار السياسي المغربي اتُّخذ، والتحرك المؤسساتي يتجه إلى تثبيت نتائجه وتوسيع أثره.
ومن منظور المصالح المغربية، يفتح خروج المينورسو باب مكسب استراتيجي: إنهاء أحد أبرز مظاهر الحضور الأممي المرتبط بالنزاع، بينما يواصل المغرب حضوره بمؤسساته وإدارته ومشاريعه التنموية. المغرب في صحرائه، وسيواصل البناء والاستثمار وربط أقاليمه الجنوبية بعمقها الإفريقي والأطلسي. وهذه الاستمرارية تمنحه قوة فعلية في تشكيل مستقبل المنطقة، وتعزيز موقعه أمام محاولات إدامة الانتظار.
ويحمل تأكيد التمسك بوقف إطلاق النار رسالة مكملة لهذا الحزم: المغرب يختار إدارة التحول من موقع الثقة والمسؤولية، مع التشبث بسلامة أراضيه وأمن مواطنيه. وبذلك يجمع بين المبادرة السياسية، واليقظة الأمنية، ومواصلة التنمية، ويحرم خصومه من توظيف المرحلة لجر المنطقة إلى التصعيد.
أما مبادرة الحكم الذاتي، فقد أكد البلاغ استمرار التعبئة الدولية حولها. ولذلك، فإن الاتجاه المعلن هو استثمار الدعم الذي راكمته، وتوسيع الاعتراف بالسيادة المغربية عبر المسارات الثنائية والإقليمية. فالتحول يتعلق بالإطار الذي ظل يدير النزاع، مع الاحتفاظ بالمبادرة المغربية رصيداً سياسياً ودبلوماسياً.
لقد أخذ المغرب المبادرة وحدّد وجهته. والرهان الآن هو إحكام تنسيق الخطوات المقبلة، وتسريع تثبيت المكتسبات، وتحويل تعثر مجلس الأمن إلى تحول يخدم المصالح الوطنية. هكذا تُقلب موازين الأزمة: بقرار واضح، وحضور راسخ على الأرض، ودبلوماسية تجعل الآخرين يتفاعلون مع المبادرة المغربية.