كشف تقرير تقييمي شامل لحصيلة الولاية الحكومية 2021–2026 عن صورة مركبة لأداء حكومة عزيز أخنوش، التي دخلت ولايتها تحت شعار “برنامج الأمل” بعشرة التزامات كبرى، شملت إحداث مليون منصب شغل، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين جودة التعليم والصحة. وقد اعتمد التقرير مقاربة تحليلية تقيس المسافة بين الوعد والتنزيل والأثر، بعيدا عن الاكتفاء بجرد النصوص والإجراءات.
إنجازات هيكلية بارزة
على صعيد المنجزات، أبرز التقرير أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية شكل أحد أبرز الإنجازات البنيوية للولاية، إذ تجاوز عدد المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض 32 مليون شخص، أي ما يعادل 88% من الساكنة، فيما بلغ عدد الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر حوالي 3,9 مليون أسرة، تتلقى إعانات شهرية تتراوح بين 500 و1350 درهما حسب تركيبة كل أسرة.
وعلى مستوى الاستثمار العمومي، سجل التقرير ارتفاعا غير مسبوق في الغلاف الاستثماري، الذي انتقل من 230 مليار درهم سنة 2022 إلى 380 مليار درهم في مشروع قانون المالية لسنة 2026، أي بزيادة تناهز 65% خلال ست سنوات. وقد رافق ذلك تسجيل رقم قياسي لعائدات الاستثمار الأجنبي المباشر بلغ 56,1 مليار درهم سنة 2025، بزيادة 22% مقارنة بالذروة المسجلة سنة 2018.
كما أشاد التقرير بالورش القانوني والمؤسساتي الذي أنتج ترسانة تشريعية واسعة، شملت قوانين مهيكلة في مجالات الاستثمار والعدالة والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، فضلا عن توقيع اتفاقين اجتماعيين أسفرا عن زيادة في أجور موظفي القطاع العام بقيمة 1000 درهم صافية، مع رفع الحد الأدنى الشهري من 3000 إلى 4500 درهم بزيادة بلغت 50%.
تعثرات عميقة على المستوى الاجتماعي
في المقابل، رصد التقرير تعثرات بالغة الأثر على المستوى الاجتماعي، في مقدمتها أزمة التشغيل التي وصفها بـ”أكبر فجوة بين الوعد والإنجاز”، إذ ارتفع معدل البطالة من 11,8% سنة 2021 إلى 13,3% سنة 2024، وبلغت بطالة الشباب 36,7% سنة 2025، في حين تراجع القطاع الفلاحي بخسارة 137 ألف منصب شغل سنة 2024 وحدها جراء توالي سنوات الجفاف، مما جعل هدف مليون منصب شغل بعيد المنال بشكل واضح.
وعلى صعيد القدرة الشرائية، كشف التقرير أن الأسر المغربية عانت من موجة تضخمية غير مسبوقة بلغت ذروتها بتجاوز 10% في بداية 2023، فيما قفز تضخم المواد الغذائية إلى أكثر من 20%، تاركا أثرا تراكميا على الأسعار حتى بعد تراجع التضخم إلى 0,8% سنة 2025. وأكد التقرير أن الطبقة المتوسطة كانت الأكثر تضررا، إذ وجدت نفسها بين مقصي الاستفادة من الدعم المباشر ومتضررة من ارتفاع كلفة المعيشة.
وفي ما يخص قطاعي الصحة والتعليم، أشار التقرير إلى أن الإصلاحات الهيكلية التي أطلقتها الحكومة في القطاعين لم تترجم بالسرعة المطلوبة إلى تحسن ملموس في جودة الخدمات اليومية، مستشهدا بإضرابات المعلمين لأزيد من ثلاثة أشهر، وأزمة طلبة الطب، وما خلفاه من آثار سلبية على الزمن المدرسي والتكويني.
كما أبرز التقرير استمرار الفوارق المجالية الحادة، حيث تستحوذ ثلاث جهات فقط على ما يقارب 59% من الناتج الداخلي الخام الوطني، فيما تظل نسبة الفقر متعدد الأبعاد في حدود 6,8%، مع تمركز 72% من الفقراء في الوسط القروي.
انتقادات لمقاربة تدبير الشأن العام
على المستوى السياسي والتدبيري، وجه التقرير انتقادات حادة لأسلوب تدبير الشأن العام، مسلطا الضوء على طغيان المقاربة التقنية على الحس السياسي، وضعف التواصل الحكومي في اللحظات المفصلية، وارتباك التدبير في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. مشيرا إلى أن رئيس الحكومة غاب في عدد من المحطات الحرجة التي كانت تستدعي خطابا جامعا وحضورا سياسيا مباشرا.
كما نبه التقرير إلى كثافة التعيينات في مناصب المسؤولية التي بلغت 724 تعيينا بمعدل 180 تعيينا سنويا، معتبرا أن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول أولويات توظيف الزمن الحكومي، والعلاقة بين التعيين المكثف والأثر الفعلي على جودة الخدمة العمومية.
فجوة بين الإنجاز والإحساس المجتمعي
وخلص التقرير إلى أن الإشكال الجوهري في هذه الولاية لا يكمن في غياب الإصلاح، بل في اتساع الفجوة بين الإنجاز المؤسساتي والإحساس المجتمعي به، مؤكداً أن “الشرعية السياسية لا تبنى فقط على المنجز، بل على كيفية إدراكه من طرف المجتمع”. داعيا إلى استخلاص دروس أساسية تتمحور حول بناء الثقة، وتوحيد الخطاب الحكومي، وإرساء حكامة أكثر صرامة في آليات الدعم والتنفيذ، والمزاوجة بين الرؤية الاستراتيجية والأثر المباشر على الحياة اليومية للمواطنين.