إعفاء مديحة خيير.. هل أخفقت آليات التدقيق في اختيار الوزراء؟

Screenshot

أعفيت مديحة خيير من مهامها وزيرة منتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، بعد يومين فقط من تعيينها ضمن أعضاء الحكومة الجديدة، في قرار أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن معايير اختيار الوزراء وآليات التدقيق في ملفات المرشحين قبل وصولهم إلى التشكيلة الحكومية.

وجاء الإعفاء عقب تداول معطيات بشأن ملف قضائي يعود إلى سنة 2004، ارتبط اسم خيير به في تقارير إعلامية ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار جدلا حول ماضي المرشحين للمناصب الحكومية، ومدى اطلاع الجهات المعنية على الملفات التي قد تثير نقاشا عاما بعد التعيين. غير أن البلاغ الرسمي بشأن الإعفاء لم يحدد أسبابه، وهو ما يجعل الربط بين القرار وما جرى تداوله بحاجة إلى توضيح رسمي.

ولا يتوقف النقاش الذي أثارته هذه القضية عند قرار الإعفاء في حد ذاته، بل يمتد إلى الكيفية التي أُدرج بها اسم خيير ضمن لائحة الاستوزار، والمعايير التي حكمت اختيارها، والجهات التي تولت دراسة ملفها قبل الإعلان عن تعيينها.

يضع هذا التطور مسار الترشيح للاستوزار أمام اختبار سياسي واضح: هل خضعت ملفات المرشحين للتدقيق الكافي قبل رفع الأسماء إلى رئاسة الحكومة؟ وهل تقتصر معايير الاختيار على الوزن الحزبي والمسار الانتخابي والتنظيمي، أم تشمل أيضا التحقق من المعطيات التي قد تؤثر في الثقة العامة في المسؤول المرشح؟

وبموجب الفصل 47 من الدستور، يعين الملك أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، كما يمكن لرئيس الحكومة أن يطلب إعفاء عضو أو أكثر من أعضائها. ويحدد هذا الفصل الإطار الدستوري لتشكيل الحكومة وإنهاء مهام أعضائها، فيما تظل مسؤولية الأحزاب في اختيار مرشحيها ومسؤولية رئاسة الحكومة في إعداد التشكيلة من الجوانب التي تطرحها القضية على المستوى السياسي.

وفي حالة مديحة خيير، يكتسب السؤال أهمية إضافية بالنظر إلى موقعها داخل حزب الاستقلال، إذ سبق أن تولت رئاسة الفريق النيابي للحزب بمجلس النواب، قبل تعيينها في الحكومة. وهو ما يجعل النقاش مرتبطا بمسار سياسي وتنظيمي سابق على التعيين، وليس بمجرد اختيار اسم غير معروف داخل الحزب.

تسبق التعيينات الحكومية عادة مشاورات حزبية وسياسية تتداخل فيها اعتبارات متعددة، من بينها التوازنات داخل الأغلبية، والمواقع التنظيمية، والنتائج الانتخابية، والخبرة في تدبير الشأن العام. غير أن هذه الاعتبارات لا تجيب وحدها عن سؤال مدى كفاية التحقق من الملفات الشخصية والقضائية للمرشحين قبل اقتراح أسمائهم.

وتطرح قضية خيير، في هذا السياق، أسئلة بشأن وجود مساطر واضحة داخل الأحزاب لتقييم المرشحين للمناصب الحكومية، ومدى اعتماد آليات للتدقيق في المعلومات ذات الصلة قبل رفع الأسماء إلى رئاسة الحكومة. كما تثير تساؤلات حول طبيعة التنسيق بين الجهات المعنية بالاختيار، وما إذا كانت المعطيات التي أثارت الجدل متاحة قبل التعيين أم ظهرت لاحقا.

ولا تتوفر، في المعطيات الرسمية المنشورة، إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة. لذلك، فإن تحديد الجهة التي قد تكون قصّرت، أو الجزم بأن طرفا بعينه كان على علم بالملف قبل التعيين، يظل سابقا لأوانه في غياب توضيحات موثوقة.

يطرح إنهاء مهام خيير بعد يومين فقط من تعيينها مفارقة سياسية، إذ لم تترك هذه المدة مجالا لتقييم أدائها الحكومي، ما يوجه النقاش نحو الظروف التي سبقت تعيينها، وطبيعة المعلومات التي جرى الاطلاع عليها خلال مرحلة اختيار أعضاء الحكومة.

ومن جهة، يثير التوقيت تساؤلات بشأن إمكانية تفادي الجدل لو جرى التحقق مسبقا من المعطيات التي ظهرت إلى العلن. ومن جهة أخرى، فإن غياب تفسير رسمي مفصل للإعفاء لا يسمح بالجزم بأنه جاء نتيجة هذه المعطيات، حتى وإن تزامن القرار مع تداولها.

كما أن سرعة إنهاء المهام لا تجيب وحدها عن سؤال المسؤولية: هل يتعلق الأمر بخلل في آليات التدقيق، أم بتطورات ظهرت بعد التعيين، أم باعتبارات أخرى لم يجر الإعلان عنها؟ وتبقى الإجابة مرتبطة بتوضيحات رسمية بشأن خلفيات القرار ومسار الترشيح.

تتجاوز دلالات هذه القضية مصير وزيرة واحدة، لتطرح سؤالا أوسع بشأن معايير اختيار المسؤولين الحكوميين، ومدى التوازن بين الاعتبارات الحزبية ومتطلبات النزاهة والشفافية والثقة العامة.

فالمسؤولية الحكومية لا تبدأ من لحظة تسلم المهام، بل من مرحلة اختيار المرشح والتحقق من استيفائه الشروط القانونية والسياسية المرتبطة بالمنصب. ومن شأن اعتماد مساطر واضحة لتقييم الملفات، وتحديد المسؤوليات خلال مراحل الترشيح، أن يساعد على الحد من الأزمات التي قد تظهر بعد الإعلان عن التعيينات.

كما أن توضيح خلفيات القرارات الحكومية، حين تثير جدلا عاما، يتيح للرأي العام التمييز بين الوقائع المثبتة والتأويلات، ويحمي في الوقت نفسه حقوق الأشخاص المعنيين من الأحكام المبنية على معطيات غير مكتملة.

وفي المحصلة، أعاد إعفاء مديحة خيير بعد يومين من تعيينها سؤال التدقيق في ملفات المرشحين للاستوزار إلى الواجهة: كيف وصل اسمها إلى اللائحة النهائية؟ وما المعايير التي اعتمدت في اختيارها؟ وهل تكفي الآليات الحالية لتفادي تكرار مثل هذه الحالات؟ أسئلة تتطلب توضيحات بشأن مسار الترشيح وأسباب الإعفاء، قبل تحميل أي جهة مسؤولية لم يجر إثباتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

حركة التوحيد والإصلاح تستنكر زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية

المنشور التالي

المجلس الأعلى للسلطة القضائية يعلن النتائج النهائية لانتخابات ممثلي القضاة

المقالات ذات الصلة

بعد خمس سنوات من الفراغ الإداري: فتح باب الترشح يعيد الأمل داخل المعهد الوطني للبريد والمواصلات

أعلن الفرع المحلي للنقابة المغربية للتعليم العالي والبحث العلمي بالمعهد الوطني للبريد والمواصلات، في بلاغ توصلت THE PRESS…
قراءة المزيد