من المسيرة الخضراء إلى مرحلة ما بعد المينورسو.. المغرب أمام منعطف جديد في قضية الصحراء

في السادس من نونبر من كل سنة، يستحضر المغرب ذكرى المسيرة الخضراء، التي شكلت سنة 1975 محطة مفصلية في تاريخ استكمال وحدته الترابية، عندما لبى 350 ألف متطوع نداء الملك الراحل الحسن الثاني، متوجهين نحو الصحراء في مسيرة سلمية جسدت التعبئة الوطنية حول قضية استرجاع الأقاليم الجنوبية.

وبعد واحد وخمسين عاما، تحل الذكرى هذه السنة في سياق مختلف، تطبعه تحولات متسارعة في مسار النزاع حول الصحراء المغربية، خصوصا بعد التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي في 30 أكتوبر الماضي، والتي انتهت بعدم تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو”، عقب فشل المجلس في التوصل إلى توافق بشأن مشروع القرار الأمريكي ومشروع القرار الروسي المضاد.

وبينما شكلت المسيرة الخضراء تعبيرا عن مرحلة تاريخية من التعبئة الشعبية، تضع التطورات الأخيرة المغرب أمام مرحلة جديدة تتطلب مواكبة التحولات الدبلوماسية والسياسية والأمنية المرتبطة بملف الصحراء.

لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث تاريخي عابر، بل شكلت منعطفا في مسار قضية الصحراء، التي انتقلت منذ ذلك الوقت عبر محطات سياسية وعسكرية ودبلوماسية متعددة.

فبعد سنوات من المواجهة المسلحة، دخل الملف مرحلة جديدة سنة 1991، مع إقرار وقف إطلاق النار وإنشاء بعثة المينورسو بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، بهدف الإشراف على ترتيبات التسوية، وفي مقدمتها التحضير لاستفتاء تقرير المصير.

غير أن الخلافات حول تحديد هوية الهيئة الناخبة حالت دون تنظيم الاستفتاء، لتستمر البعثة الأممية في أداء مهامها على مدى 35 عاما، دون تحقيق الهدف الأساسي الذي أُنشئت من أجله.

وفي مقابل استمرار حالة الجمود، قدم المغرب سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحا لتسوية سياسية للنزاع، يقوم على منح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.

وشهد الملف خلال السنوات الأخيرة تحولات في مواقف عدد من القوى الدولية، قبل أن يعتمد مجلس الأمن القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي وضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.

شكل عدم تجديد ولاية المينورسو في أكتوبر 2026 تطورا غير مسبوق في مسار النزاع، خصوصا أن البعثة ظلت طوال أكثر من ثلاثة عقود جزءا من الترتيبات الأممية المرتبطة بوقف إطلاق النار.

وجاء هذا التطور بعد استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، فيما لم يحظ المشروع الروسي البديل، الذي اقترح تمديد ولاية البعثة إلى غاية أكتوبر 2027، بالأصوات الكافية لاعتماده، بعد تصويت الولايات المتحدة ضده.

لكن انتهاء عمليات البعثة لا يعني بالضرورة انتهاء الدور السياسي للأمم المتحدة في قضية الصحراء، إذ أكد الأمين العام أنطونيو غوتيريش استمرار التزام المنظمة الدولية بدعم المساعي الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي، عبر مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا.

كما حذر من مخاطر التصعيد، داعيا الأطراف المعنية إلى ضبط النفس وتفادي أي خطوات من شأنها تهديد الاستقرار الإقليمي.

وفي أول اجتماع عمل مخصص لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام المينورسو، ترأس الملك محمد السادس، يوم 4 نونبر الجاري، جلسة عمل بالقصر الملكي بالرباط، وضعت ملامح الأولويات المغربية في المرحلة المقبلة.

وشدد البلاغ الصادر عن الديوان الملكي على ضرورة الحفاظ على الوحدة الترابية والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، خصوصا بالأقاليم الجنوبية، مع التأكيد على مواصلة المشاريع التنموية الكبرى وتعزيز الإجماع الوطني حول القضية.

ومن أبرز الرسائل التي حملها البلاغ تأكيد المغرب التزامه بوقف إطلاق النار، باعتباره التزاما إراديا لن يتغير بانتهاء ولاية البعثة الأممية.

كما أسند الملك محمد السادسإلى مكتب التنسيق مع المينورسو، التابع لوزارة الداخلية، مهمة التنسيق والمواكبة لعملية تصفية البعثة وانسحابها، في إطار التعاون المسؤول مع الأمم المتحدة.

وتكشف هذه التوجيهات أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بتدبير الانسحاب الأممي، وإنما أيضا بضمان استمرارية الاستقرار بالأقاليم الجنوبية ومواصلة مسار التنمية، بالتوازي مع مواكبة التطورات السياسية والدبلوماسية للملف.

تكتسب ذكرى المسيرة الخضراء هذه السنة دلالات إضافية، بالنظر إلى تزامنها مع نهاية مرحلة أممية امتدت 35 عاماً، وما يرافقها من نقاش حول مستقبل النزاع وآليات تسويته.

فإذا كانت مسيرة 1975 قد جسدت التعبئة الشعبية حول استرجاع الصحراء، فإن تحديات المرحلة الراهنة تتجاوز استحضار الذاكرة التاريخية إلى تدبير التحولات الجديدة، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، والحفاظ على الاستقرار، ومواصلة التنمية بالأقاليم الجنوبية.

كما أن إنهاء عمليات المينورسو لا يضع حدا تلقائيا للنزاع، ولا يلغي المواقف المتباينة للأطراف، ما يجعل المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ومآلات المفاوضات المقبلة، من أبرز الملفات التي ستحدد طبيعة المرحلة القادمة.

وبين مسيرة جسدت وحدة المغاربة قبل أكثر من خمسة عقود، وتحولات دولية تعيد رسم ملامح التعاطي مع قضية الصحراء اليوم، تأتي الذكرى الحادية والخمسون لتبين كيف سيوظف المغرب التحولات الأخيرة لبناء مرحلة جديدة في مسار قضيته الوطنية، تجمع بين تثبيت المكتسبات الدبلوماسية، وترسيخ الاستقرار، وتسريع التنمية في الأقاليم الجنوبية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

واشنطن توسع عقوباتها على إيران.. استهداف شركات وأفراد في الهند وتركيا

المقالات ذات الصلة