دعت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى اعتماد سياسة عمومية تضمن الحقوق الأساسية وتحد من أسباب إنتاج الفقر وإعادة إنتاجه، مؤكدة أن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على قياس أعداد الفقراء، بل تستوجب معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية والمجالية التي تكرس الحرمان والهشاشة.
وأوضحت العصبة، في بيان صادر عن مكتبها المركزي بالرباط بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر، أن هذه المناسبة تأتي في سياق تعيين الحكومة الجديدة والاستعداد لإعداد قانون مالية 2027، إلى جانب صياغة البرنامج والتصريح الحكوميين، ما يجعلها فرصة لإدراج العدالة الاجتماعية والحقوق الأساسية ضمن أولويات السياسات العمومية.
وسلطت الهيئة الحقوقية الضوء على شعار الأمم المتحدة لهذه السنة المتعلق بـ “السكن الآمن للجميع”، ضمن شعار السنوات 2026-2028 “متحدون من أجل السلام وحقوق الإنسان”، معتبرة أن السكن اللائق يشكل مدخلا أساسيا للحد من الفقر، وأن ارتفاع تكاليفه وانعدام استقراره قد يفاقمان الحرمان ويؤثران على الولوج إلى الصحة والتعليم والعمل.
وفي ما يتعلق بالمغرب، استحضرت العصبة مؤشرات رسمية لسنة 2024، أظهرت أن 72 في المائة من الأشخاص المصنفين ضمن فئة الفقر متعدد الأبعاد يعيشون في الوسط القروي، حيث بلغ معدل الفقر 13.1 في المائة، مقابل 3 في المائة في الوسط الحضري. كما أشارت إلى أن نحو ثلاثة ملايين شخص ظلوا في وضعية هشاشة إزاء الفقر متعدد الأبعاد، يمثل سكان الوسط القروي 82 في المائة منهم.
وأضافت أن جهة بني ملال-خنيفرة سجلت معدل فقر متعدد الأبعاد بلغ 9.8 في المائة، مقابل 6.8 في المائة على المستوى الوطني، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس استمرار التفاوتات المجالية وتأثير الولوج إلى البنيات الأساسية والخدمات العمومية على التمتع بالحقوق.
وشددت العصبة على ضرورة التمييز بين التراجع الإحصائي للفقر ومعالجة أسبابه البنيوية، داعية إلى اعتماد تقييم شامل للسياسات العمومية يأخذ بعين الاعتبار الدخل وجودة السكن والولوج إلى الصحة والتعليم والماء والتطهير والنقل، فضلا عن استقرار الشغل وكفاية الحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، طالبت بإخضاع الاختيارات الميزانياتية والجبائية لتقييم دوري يقيس أثرها على الفئات الهشة ومدى مساهمتها في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، مع تعزيز الإنصاف الجبائي ومكافحة الفساد والريع والاحتكار، وتوجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والبنيات التحتية الاجتماعية.
كما دعت إلى جعل الحق في السكن اللائق محورا أساسيا في سياسات مكافحة الفقر، عبر ضمان قدرة الأسر على تحمل تكاليف السكن، وتحسين الولوج إلى الماء والتطهير والنقل والمدارس والمرافق الصحية وفرص العمل، إلى جانب الوقاية من التشرد والإقصاء السكني وحماية الأسر المهددة بفقدان مساكنها.
وأكدت الهيئة ضرورة اعتماد مقاربة ترابية في توزيع الاستثمارات والخدمات الاجتماعية، تقوم على توجيه الموارد وفق خريطة الحرمان الفعلي، مع تحديد أهداف قابلة للقياس على مستوى الجهات والأقاليم والجماعات، وإعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني ضعفا في الخدمات الأساسية.
وبخصوص الحماية الاجتماعية، دعت العصبة إلى تعزيز فعاليتها وتيسير الولوج إلى برامج الدعم، والحد من الإقصاء الناتج عن التعقيدات الإدارية وضعف المعلومات، مع توسيع حماية العاملات والعمال في القطاعات غير المهيكلة، وتطوير آليات الاستجابة للصدمات الاقتصادية والمناخية والصحية.
كما شددت على أهمية ضمان الشغل اللائق باعتباره ركيزة للوقاية من الفقر، مشيرة إلى أن توفر العمل لا يعني بالضرورة الخروج من الحرمان ما لم يكن مستقرا ويحترم الحقوق ويوفر دخلا منصفا، ودعت إلى مواجهة الهشاشة المهنية وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي للشباب والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة.
ومن بين مطالبها، إرساء آلية وطنية للرصد والمساءلة بشأن الفقر والحرمان، تعتمد مؤشرات دورية تجمع بين الفقر النقدي ومتعدد الأبعاد، وتقيس مستوى الولوج إلى السكن والصحة والتعليم والماء والتطهير والشغل والحماية الاجتماعية، مع ربطها بأهداف معلنة وآجال محددة وتقارير عمومية وتقييم مستقل.
كما أكدت ضرورة إشراك الأشخاص الذين يعيشون الفقر في تحديد الأولويات وتصميم البرامج وتتبع تنفيذها وتقييم آثارها، معتبرة أن تجاربهم مع الحرمان والعوائق الإدارية والاجتماعية ينبغي أن تكون جزءا أساسيا من صياغة السياسات العمومية.
وختمت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بيانها بالدعوة إلى وضع برنامج وطني لمكافحة الفقر، يتضمن أهدافا مرحلية واضحة ويحدد المسؤوليات والموارد وآجال التنفيذ، ويخضع للتقييم والمساءلة، مع ضمان التنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسكنية والبيئية.
واعتبرت أن تحقيق العدالة الاجتماعية لا يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين غادروا عتبة الفقر، بل أيضا بمدى تراجع خطر السقوط فيه، وقدرة المواطنين على الحصول على سكن لائق وتعليم جيد وعلاج مناسب وعمل كريم وخدمات أساسية، دون الاضطرار إلى المفاضلة بين احتياجاتهم الضرورية.