تفتح مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية في الأغلبية الحكومية الجديدة الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة التوازنات السياسية داخل التحالف، وحدود قدرة الحزبين على التأثير في التوجهات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة، في ظل تفاوت الوزن الانتخابي بين مكوناتها واختلاف مرجعياتها الإيديولوجية. كما تطرح هذه المشاركة رهانات سياسية مرتبطة بمستقبل الحزبين وموقعهما داخل المشهد الحزبي، بين الاستفادة من تدبير الشأن العام والحفاظ على رصيدهما النضالي والتاريخي.
وفي هذا السياق، اعتبر عبد العلي حامي الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، في تصريح خص به THE PRESS، أن مشاركة الحزبين في الأغلبية الحكومية الجديدة تعكس إدراكهما لضعفهما الانتخابي والتنظيمي، محذرا من أن هذه الخطوة قد تتحول إلى مقامرة عالية الكلفة، في حال لم ينجحا في تدبير العلاقة بين التنظيم الحزبي والمشاركة في الحكومة.
وأوضح حامي الدين أن تراجع الاتحاد الاشتراكي من 35 مقعدا إلى 26، والتقدم والاشتراكية من 21 إلى 19 مقعدا، دفع الحزبين إلى إدراك أن البقاء في المعارضة قد لا يخدم مصالحهما الانتخابية، بل قد يصب في مصلحة حزب العدالة والتنمية، كما حدث خلال الولاية السابقة، وهو ما قد يفسر توجههما نحو المشاركة الحكومية بهدف تقوية تنظيماتهما الحزبية من موقع التدبير.
غير أن أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية يرى أن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر بالنسبة إلى الرصيد النضالي والتاريخي للحزبين، وقد تعقد مهمة نهوضهما مستقبلا، إذا لم يحسنا إدارة العلاقة بين الحزب والحكومة.
وفي المقابل، اعتبر المتحدث أن حزب الأصالة والمعاصرة سيكون المستفيد الأول من هذا التحالف، بالنظر إلى حاجته إلى هذه الأحزاب، ليس فقط لتأمين الأغلبية العددية، التي تبلغ 207 مقاعد مقابل 198 مقعدا مطلوبة، بل أيضا لإضفاء شرعية تاريخية على حكومة يقودها الحزب لأول مرة، في ظل استمرار ما وصفه بلعنة النشأة التي ظلت تلاحق الحزب منذ تأسيسه.
تأثير محدود للمرجعية اليسارية
وبخصوص مدى تأثير المرجعية اليسارية للاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في التوجهات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة المقبلة، رجح حامي الدين أن يظل هذا التأثير محدودا، بالنظر إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة للحكومة وامتلاكه الحقائب الاقتصادية الكبرى، مقابل حصول الأحزاب اليسارية عادة على وزارات اجتماعية ذات أدوات محدودة.
وأضاف أن التباين الإيديولوجي بين مكونات التحالف، الذي يجمع مرجعيات ليبرالية ويسارية ومحافظة، من شأنه أن يدفع نحو اعتماد حلول تقنية بدل الانخراط في إصلاحات هيكلية.
ورغم أن المرحلة تفرض التعامل مع أولويات اجتماعية واقتصادية، تشمل القدرة الشرائية والبطالة وإصلاح قطاعي التعليم والصحة، فإن الفارق بين حكومة يسارية وأخرى ليبرالية، بحسب حامي الدين، يظهر في الأدوات المعتمدة ووتيرة الإصلاح، وليس بالضرورة في الوجهة العامة للسياسات.
واعتبر أن مطالب الحزبين الواردة في وثائقهما الداخلية تعكس إدراكهما لحدود تأثيرهما، بالنظر إلى تركيزهما على قضايا منخفضة التوتر الإيديولوجي.
توازنات التحالف تحد من نفوذ الحزبين
وفي ما يتعلق بحدود تأثير الحزبين في القرار الحكومي، في ظل توازنات التحالف واختلاف المرجعيات السياسية لمكوناته، يرى حامي الدين أن هذا التأثير سيكون ضعيفا، بالنظر إلى تحكم الحزب الأول في مراكز القرار الأساسية، وحاجته إلى شركائه أساسا لضمان الأغلبية العددية والشرعية الرمزية، في سياق ما وصفه بنشأة الأصالة والمعاصرة القريبة من السلطة والبعيدة عن أحضان المجتمع.
وأشار إلى أن هامش الأغلبية الضيق، المحدد في تسعة مقاعد، يمنح الحزبين نظريا إمكانية التلويح بالانسحاب من التحالف، لكنه اعتبر أن هذا الخيار يظل غير قابل للاستخدام عمليا، لأن الانسحاب يعني خسارة المكاسب الحكومية وفتح الباب أمام انتخابات قد تكون نتائجها أسوأ بالنسبة إليهما.
كما لفت إلى أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تضع الحزبين في موقع تنافسي ضعيف، وهو ما يقلص استعدادهما لتقديم تنازلات إضافية داخل الأغلبية.
وخلص حامي الدين إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة يظل المستفيد الأكبر من هذا الائتلاف في المرحلة الراهنة، غير أن مآلاته ستظل مرتبطة بالتفاعلات التي ستلي تشكيل الحكومة، ومدى قدرتها على التعامل مع المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، إلى جانب طبيعة أداء المعارضة وحجم الديناميات المجتمعية ومداها، وهي عوامل من شأنها التأثير في القرار الحكومي في نهاية المطاف.