كشفت دراسة رصدية تحليلية حول العنف السياسي الرقمي ضد النساء خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026، عن تصدر التشهير قائمة أشكال الاستهداف التي طالت المرشحات، بنسبة بلغت 76.6 في المائة، متبوعا بخطاب الكراهية والتحقير بسبب الجنس بنسبة 69.4 في المائة، ونشر المعلومات غير المؤكدة بنسبة 64.5 في المائة، في معطيات تعكس تعدد أشكال العنف الرقمي الموجه ضد النساء خلال المنافسة الانتخابية.
وأعد المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي، بشراكة مع جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، هذه الدراسة تحت عنوان «العنف السياسي الرقمي ضد النساء برسم انتخابات مجلس النواب 2026: رصد وتحليل لأنماط الاستهداف وحدود الحماية القانونية»، بهدف رصد الممارسات الرقمية التي تستهدف النساء وكيلات اللوائح المحلية وتحليل أبعادها القانونية والحقوقية.
628 استمارة توثق تعدد أشكال الاستهداف الرقمي
وفي تصريح خصت بهTHE PRESS، أوضحت رجاء حمين، منسقة مشاريع مراكز الاستماع لجمعية التحدي للمساواة والمواطنة، أن الدراسة اعتمدت على عملية رصد امتدت من 10 إلى 23 شتنبر 2026، تزامنا مع الفترة القانونية للحملة الانتخابية، وشملت عينة من 42 امرأة وكيلة للائحة انتخابية محلية، موزعات على عدد من الجهات والدوائر الانتخابية، مع الاستعانة بـ21 راصدة وراصدا يمثلون جمعيات مدنية مشاركة في المرصد.
وقد أسفرت عملية الرصد، عن توثيق 628 استمارة على المستوى الوطني، أظهرت تسجيل 481 حالة تشهير بالمرشحات، بنسبة 76.6 في المائة، و436 حالة تضمنت خطاب كراهية أو تحقيرا بسبب الجنس، بنسبة 69.4 في المائة.
كما أكدت المتحدثة ذاتها، أن الدراسة رصدت 405 حالات لنشر معلومات غير مؤكدة، بما يعادل 64.5 في المائة، 376 حالة مرتبطة بالأخبار الزائفة أو الإشاعات، بنسبة 59.9 في المائة. وسجلت، في السياق ذاته، 271 حالة للمس بالحياة الخاصة، بنسبة 43.2 في المائة، و64 حالة للتهديد أو الترهيب، بنسبة 10.2 في المائة.
وشملت المعطيات المرصودة أيضا 25 حالة مرتبطة بصور أو فيديوهات مفبركة، إلى جانب 23 حالة تحمل مؤشرات على استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأكدت الدراسة، بحسب حمين، أن هذه الأشكال لا تمثل فئات منفصلة بالضرورة، إذ يمكن للحالة الرقمية الواحدة أن تجمع أكثر من نمط من أنماط الاستهداف. وفي هذا الإطار، سجلت 330 حالة اجتمع فيها التشهير والتحقير بسبب الجنس، أي ما يعادل 52.5 في المائة من مجموع قاعدة الدراسة، فضلا عن 247 حالة جمعت بين التشهير والمس بالحياة الخاصة، و205 حالات تداخل فيها المس بالحياة الخاصة مع التحقير بسبب الجنس.
وتبرز هذه المعطيات، الطابع المركب للعنف السياسي الرقمي ضد النساء، الذي يجمع بين استهداف السمعة والتضليل والتحقير والمس بالحياة الخاصة، وقد يصل في بعض الحالات إلى التهديد والترهيب.
تحديث القانون لا يعني اكتمال الحماية
وعلى المستوى القانوني، أبرزت منسقة الجمعية، أن الدراسة رصدت التعديلات التي أدخلت في يناير 2026 على القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب شكلت تطورا مهما، من خلال الاعتراف الصريح بشبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية والتطبيقات المعتمدة على الإنترنت والأنظمة المعلوماتية وأدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسائل يمكن أن ترتكب عبرها أفعال انتخابية مجرمة.
غير أن هذا التطور التشريعي لا يعني، بحسبها، اكتمال الحماية القانونية من مختلف صور العنف السياسي الرقمي، إذ يظل الانتقال من رصد ممارسة رقمية إلى تكييفها كجريمة مرتبطا بإثبات مجموعة من العناصر، من بينها كذب المحتوى وهوية الفاعل والقصد الجنائي والصلة بالعملية الانتخابية.
وتزداد هذه الصعوبات، وفق المصدر ذاته، عندما يتعلق الأمر بالصور والفيديوهات والمحتويات التي يشتبه في إنتاجها أو تعديلها باستعمال الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى التحديات التقنية المرتبطة بإثبات أصالتها.
كما نبهت إلى محدودية استيعاب الإطار القانوني لبعض أشكال العنف السياسي الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، خصوصا الممارسات التي تستهدف المرأة بسبب جنسها أو تشكك في أهليتها للمشاركة السياسية، دون أن تقترن بالضرورة بواقعة كاذبة أو تهديد أو مس بالحياة الخاصة وفق العناصر المحددة قانونا.
ثلاث فجوات تحد من فعالية الحماية القانونية
وقالت حمين، أن الدراسة حددت ثلاث فجوات رئيسية تؤثر في مواجهة العنف السياسي الرقمي ضد النساء؛ تتعلق الأولى بالفرق بين المفهوم الاجتماعي والحقوقي للعنف والوصف الجنائي المحدد قانونا، فيما ترتبط الثانية بالصعوبات التي تعترض إثبات عناصر الجريمة داخل البيئة الرقمية.
أما الفجوة الثالثة، فتتصل بالمسافة بين الحماية العامة للعملية الانتخابية وخصوصية العنف الذي يستهدف النساء بسبب حضورهن السياسي.
وصرحت المنسقة، أن الدراسة التي أنجزت ترى أن تجاوز هذه الاختلالات لا يقتصر على تحديث النصوص القانونية، بل يستدعي أيضا تطوير آليات الإثبات والاستجابة المؤسساتية، بما يتيح التعامل بفعالية مع الأشكال المركبة للعنف الرقمي ويضمن حماية المشاركة السياسية للنساء.
توصيات لتطوير التشريع والاستجابة المؤسساتية
على مستوى السلطة التشريعية، دعت الدراسة إلى فتح النقاش بشأن اعتماد تعريف أكثر وضوحا للعنف السياسي الرقمي، وتحديد موقع البعد القائم على الجنس ضمن الحماية الانتخابية، سواء من خلال إقرار وصف قانوني خاص أو اعتباره ظرفا مشددا عندما يكون الجنس دافعا أو عنصرا أساسيا في الفعل.
كما أوصت بمراجعة مدى كفاية الحماية القانونية من التهديد والترهيب الرقمي، وتدقيق العلاقة بين التضليل الانتخابي واشتراط إثبات القصد الخاص بالتأثير في التصويت.
أما على مستوى السلطة التنفيذية، فاقترحت الدراسة بحث إمكانية إحداث آلية وطنية واضحة وسريعة لتلقي الإشعارات والشكايات المرتبطة بالمحتوى الرقمي خلال الفترات الانتخابية، إلى جانب تطوير التعاون المؤسساتي مع المنصات الرقمية، بما يوازن بين حماية حرية التعبير وحفظ الأدلة والتعامل مع المحتويات التي يحتمل أن تدخل ضمن الجرائم الانتخابية.
ودعت الدراسة الأحزاب السياسية بدورها إلى إدماج السلامة الرقمية ضمن برامج تكوين المرشحات والمرشحين، وتوفير المواكبة اللازمة لتوثيق حالات الاستهداف والتبليغ عنها، وتعزيز قدرات فرق الحملات الانتخابية على التمييز بين النقد السياسي المشروع والممارسات التي قد تمس بالحقوق أو بحرية المشاركة السياسية.
كما شددت على ضرورة تطوير آليات داخلية للرصد والاستجابة، حتى لا تجد المرشحات أنفسهن مضطرات إلى مواجهة حملات التشهير أو التهديد أو الاستهداف الرقمي المنظم بمفردهن.
حماية المشاركة السياسية للنساء تتجاوز تعديل القوانين
وأبرز حمين، أن كل من المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي وجمعية التحدي للمساواة والمواطنة خلص إلى أن ضمان المشاركة السياسية للنساء يقتضي توفير بيئة آمنة تحمي حرية التعبير والمنافسة الديمقراطية، وتواجه في الوقت نفسه الممارسات الرقمية التي قد تتحول إلى أدوات للتشهير والترهيب والإقصاء القائم على النوع الاجتماعي.
وأكدت الجهتان بحسبها، أن تحديث الإطار التشريعي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان الحماية الفعلية، ما لم يصاحبه تقليص الفجوة بين القانون وإثبات الانتهاكات والاستجابة المؤسساتية، مع مراعاة خصوصية الاستهداف الذي تتعرض له النساء بسبب مشاركتهن في المنافسة السياسية.