بعد أسبوع من انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة، بدأت خريطة الأغلبية المقبلة تتضح تدريجيا، من دون أن تصل بعد إلى مرحلة الحسم. فاطمة الزهراء المنصوري انتقلت من جس نبض مختلف الأحزاب إلى جولة ثانية من المفاوضات، فيما أصبحت تركيبة الأغلبية وعدد مكوناتها وموقع التجمع الوطني للأحرار أبرز الأسئلة المطروحة على طاولة التفاوض.
منذ انطلاق المشاورات في 30 شتنبر، التقت المنصوري قيادات التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال، الحركة الشعبية، الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، قبل أن توسع دائرة المشاورات لتشمل الاتحاد الدستوري ، الحركة الديمقراطية الاجتماعية. أما العدالة والتنمية وتحالف اليسار، فقد اختارا موقع المعارضة منذ البداية.
وبعد الجولة الأولى، دخلت المفاوضات مرحلة أكثر دقة. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بمن يمكنه دخول الحكومة، وإنما بأي تركيبة تستطيع توفير أغلبية برلمانية مستقرة، وفي الوقت نفسه إنتاج توافق سياسي وبرنامجي بين مكوناتها.
سيناريو “الكتلة”.. 207 مقاعد على الطاولة
أبرز السيناريوهات التي برزت خلال الأيام الأخيرة يقوم على جمع الأصالة والمعاصرة مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
هذه الصيغة تمنح الأغلبية 207 مقاعد من أصل 395، أي تسعة مقاعد فوق عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا. ويضم التحالف المقترح ثلاثة أحزاب من مكونات الكتلة الديمقراطية إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة.
وما يعزز هذا السيناريو أن المنصوري واصلت لقاءاتها مع قيادات هذه الأحزاب، فيما فوض الاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر ومصطفى عجاب مواصلة المفاوضات، بينما عقد التقدم والاشتراكية، الثلاثاء، اجتماع لجنته المركزية للحسم في موقفه من المشاركة.
لكن الوصول إلى 207 مقاعد لا يعني أن الطريق أصبحت معبدة، فالتقدم والاشتراكية ربط مشاركته بضمانات سياسية وبرنامجية، فيما يشترط الاتحاد الاشتراكي بدوره الاتفاق على برنامج ومبادئ مشتركة.
سيناريو العودة إلى تحالف 2021
الاحتمال الثاني يعيد إلى الواجهة تركيبة تجمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال.
هذه الأحزاب الثلاثة تتوفر مجتمعة على 228 مقعدا، أي أغلبية مريحة عدديا. وهي صيغة تستند إلى تجربة التحالف الحكومي السابق، وإن كانت المشاورات الحالية أظهرت وجود تحفظات داخل عدد من الأحزاب على عودة الأحرار إلى الأغلبية.
وتكمن خصوصية هذا السيناريو في أنه يوفر قاعدة برلمانية واسعة بعدد محدود نسبيا من الشركاء، لكنه يبقي سؤال التجربة السابقة وحصيلة الولاية المنتهية حاضرا في المفاوضات السياسية.
أغلبية موسعة.. حين تصبح الحسابات أكبر من أربعة أحزاب
هناك أيضا سيناريو يقوم على تشكيل أغلبية أوسع تضم إلى جانب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، حزبا أو أكثر من الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.
وتسمح هذه الصيغة بتوسيع الهامش العددي للحكومة داخل البرلمان، لكنها في المقابل تعني طاولة تفاوض تضم عددا أكبر من الأحزاب، وبالتالي ملفات أكثر للتوافق حول توزيع المسؤوليات والبرنامج الحكومي.
وكانت المنصوري قد استقبلت الثلاثاء محمد جودار، الأمين العام للاتحاد الدستوري، وعبد الصمد عرشان، الأمين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية، في إطار الجولة الثانية من المشاورات.
وماذا عن التجمع الوطني للأحرار؟
يبقى موقع التجمع الوطني للأحرار أحد أكثر عناصر المشهد إثارة للنقاش.
الحزب، الذي حصل على 66 مقعدا وجاء ثانيا في الانتخابات، أعلن استعداده للمشاركة، كما فوض مجلسه الوطني قيادته للتفاوض بشأن الدخول إلى الحكومة. لكن مصادر إعلامية تحدثت عن توجه داخل الأصالة والمعاصرة نحو صيغة لا يكون فيها الأحرار طرفاً في الأغلبية، خصوصا مع وجود اعتراضات من أحزاب أخرى.
وفي المقابل، فإن استبعاد الأحرار لا يعني بالضرورة تشكيل حكومة أقل قوة عدديا، لأن تحالف البام مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يوفر بالفعل 207 مقاعد.
الشارع يراقب.. والسياسة تنتقل إلى مواقع التواصل
وموازاة مع المفاوضات الحزبية، تحولت مشاورات تشكيل الحكومة إلى موضوع حاضر بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي. فمنذ تعيين المنصوري، رصدت منصات إعلامية تفاعلات متباينة على فيسبوك، جزء منها ركز على رمزية وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، بينما انشغل جزء آخر بتركيبة الأغلبية المقبلة وانتظارات المرحلة الجديدة.
كما أثارت بعض محطات المشاورات نقاشا رقميا، من بينها غياب عبد الإله ابن كيران عن الجولة الأولى، قبل أن يوضح الأمين العام للعدالة والتنمية عبر الصفحة الرسمية للحزب أن ما راج حول لقائه بالمنصوري في مقر “البام” غير صحيح.
وفي محطة أخرى، أثار استقبال المنصوري لقيادة الحركة الديمقراطية الاجتماعية نقاشا على مواقع التواصل، خصوصا بعد عدم حضور مصطفى الخصم ضمن وفد الحزب، وهو ما دفعه إلى تقديم توضيح عبر صفحته الرسمية على فيسبوك.
أسبوع واحد.. والحسم لم يصل بعد
بعد أسبوع من المشاورات، تبدو الصورة أمام المنصوري قائمة على أكثر من تركيبة: أغلبية رباعية بـ207 مقاعد، أو تحالف ثلاثي بـ228 مقعدا، أو صيغة أوسع تضم أحزابا إضافية.
لكن الأرقام وحدها لن تحسم المفاوضات. فمواقف الأحزاب من البرنامج الحكومي، والضمانات المطلوبة، وتوزيع المسؤوليات، وموقع كل حزب داخل الأغلبية، كلها عناصر ستحدد الصيغة النهائية.
وإذا كان أسبوع المشاورات الأول قد كشف ملامح الخريطة، فإن الأسبوع المقبل قد يكون مرحلة الانتقال من اختبار التحالفات إلى التفاوض على شروطها.