صحيفة بريطانية تكشف لماذا يرفض مغاربة البقاء في سبتة والعودة إلى المغرب

كشفت صحيفة “دي سانداي تايمز” البريطانية، في تحقيق نشرته، عن دوافع بعض المغاربة الذين اختاروا البقاء في مدينة سبتة المحتلة، رغم الظروف الصعبة التي عاشوها بعد موجة العبور الجماعي غير المسبوقة التي شهدتها المنطقة نهاية يوليوز.

وأوضحت الصحيفة أن عشرات الآلاف ممن وصلوا إلى سبتة عادوا إلى المغرب بعد قضائهم أياما في ظروف اتسمت بنقص المأوى والغذاء والماء، فيما قرر آخرون عدم العودة، رغم عدم وجود ضمانات تتيح لهم الانتقال إلى إسبانيا القارية أو الحصول على إقامة وعمل بشكل قانوني.

وربط التحقيق قرار البقاء لدى بعض العابرين بمزيج من البطالة وضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالصحة والتعليم وفرص العمل، فضلا عن شعور لدى فئات من الشباب بأن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية التي يسجلها المغرب لا تنعكس بالقدر نفسه على حياتهم اليومية وفرصهم المستقبلية.

واستندت الصحيفة إلى شهادات عدد من الشباب والموظفين والباحثين، من بينهم علاء الدين بولعاز، البالغ 23 عاما، الذي كان بمدينة طنجة يوم 30 يوليوز عندما شاهد عبر تطبيق إنستغرام منشورات تتحدث عن “فتح الحدود”، إلى جانب صور ومقاطع لأشخاص قالوا إنهم وصلوا إلى الجانب الإسباني.

ودفع ما شاهده علاء الدين إلى التواصل مع شقيقه أنس، البالغ 21 عاما والعاطل عن العمل، قبل أن يقررا التوجه نحو الحدود رفقة أصدقاء لهما. وترك علاء الدين دراجته النارية قرب إحدى محطات الوقود، قبل مواصلة الطريق والعبور إلى سبتة، مرجحا أنه فقد دراجته بشكل نهائي.

وكان علاء الدين، الحاصل على شهادة في التدبير التجاري، يعمل في مصنع لتصدير الفواكه مقابل نحو 300 أورو شهريا، وهو دخل يقول إنه لا يغطي نفقاته، بينما يعاني عدد من أصدقائه من البطالة.

وقضى الشقيقان بعد وصولهما إلى سبتة أياما في ظروف صعبة، مع نقص في الطعام والماء والمأوى، قبل أن يقررا البقاء، خلافا لغالبية العابرين الذين اختاروا العودة إلى المغرب.

وقال علاء الدين للصحيفة إن هدفه يتمثل في “حياة أفضل لعائلته”، في موقف يعكس، وفق التحقيق، رغبة بعض الذين بقوا في البحث عن فرصة جديدة، حتى من دون امتلاك تصور واضح بشأن مستقبلهم داخل أوروبا.

وأبرز التحقيق أن الرغبة في مغادرة المغرب لا تقتصر بالضرورة على الفئات الأكثر فقرا، مستشهدا بحالة امرأة أطلق عليها اسم “فاطمة”، تبلغ 33 عاما وتعمل في مجال الموارد البشرية بالرباط، وتحمل شهادتين جامعيتين وتتقاضى أجرا يفوق المتوسط.

وأفادت فاطمة بأنها فكرت بدورها في البحث عن حياة أفضل خارج المغرب، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، ومخاوف مرتبطة بالصحة وتعليم الأبناء والاستقرار المستقبلي.

ووضعت “دي سانداي تايمز” هذه الشهادات في سياق المؤشرات الاقتصادية للمغرب، مشيرة إلى نمو اقتصادي يناهز 4.5 في المائة، وتطور صناعة السيارات، فضلا عن الأداء القوي للقطاع السياحي، الذي سجل نموا بنسبة 14 في المائة خلال 2025، بعد ارتفاع بنسبة 20 في المائة في السنة السابقة، مع وصول عدد السياح إلى نحو 19.8 مليون زائر.

وطرحت الصحيفة، في المقابل، تساؤلات بشأن مدى انعكاس هذا النمو على الحياة اليومية للمواطنين، ناقلة عن أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية بجامعة أوكلاهوما سيتي، محمد الدعداوي، قوله إن حاجيات التنمية لا تزال كبيرة، وإن الإنجازات الاقتصادية لا يشعر بها السكان بالدرجة نفسها في مختلف مناطق البلاد.

وأشارت الصحيفة أيضا إلى اتساع القطاع غير المهيكل وتأثير سنوات الجفاف على النشاط الزراعي، باعتبارهما عاملين يزيدان صعوبة الحصول على دخل مستقر بالنسبة إلى فئات من الشباب.

وربط التحقيق موجة العبور نحو سبتة بالسياق الاجتماعي والاحتجاجي الذي شهده المغرب خلال السنة الماضية، ولا سيما احتجاجات “جيل Z” التي رفعت مطالب مرتبطة بالصحة والتعليم والأوضاع الاجتماعية.

وأشار علاء الدين إلى أن عددا من أصدقائه شاركوا في تلك الاحتجاجات، لكنه يرى أنها لم تحقق التغيير الذي كانوا ينتظرونه، فيما استعادت الصحيفة النقاش الذي رافقها حول ما وصف حينها بـ”المغرب بسرعتين”، في ظل المقارنة بين الاستثمارات في المشاريع الكبرى والتحضير لكأس العالم 2030، وبين المطالب بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

وأفادت الصحيفة، نقلا عن معطيات لوزارة الداخلية الإسبانية، بأن سنة 2026 سجلت، إلى غاية 29 يوليوز، نحو 3835 حالة عبور حدودي، بزيادة بلغت 160 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وهو أعلى مستوى منذ بدء تسجيل هذه البيانات سنة 2017.

ولفت التحقيق إلى الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع موجة العبور، بعدما تحولت إلى فضاء لتداول معلومات حول أماكن الانطلاق والمسارات، إلى جانب صور ومقاطع لأشخاص يزعمون وصولهم إلى سبتة.

واستندت الصحيفة في هذا السياق إلى بحث أجراه سيباستيان فاندرميرش من منصة “Bellingcat”، رصد مجموعات ومنشورات على فيسبوك مرتبطة بالعبور غير النظامي نحو سبتة، فضلا عن ارتفاع تداول مصطلحات مثل “الفنيدق سبتة” و”الحراكة”.

وتحدثت الصحيفة عن مقطع نشر على إنستغرام يوم 28 يوليوز وشوهد نحو 1.4 مليون مرة، يظهر شابا مغربيا يستعرض عبر خرائط غوغل مسارا ينطلق من الفنيدق باتجاه سبتة.

وقدرت “دي سانداي تايمز” عدد الأشخاص الذين توجهوا إلى سبتة خلال موجة نهاية يوليوز بنحو 70 ألف شخص، مشيرة إلى أن الغالبية عادت إلى المغرب بعد أيام من الظروف الصعبة التي عاشتها داخل المدينة.

ورصدت الصحيفة في الفنيدق وصول عشرات الحافلات المخصصة لإعادة العائدين إلى مدنهم ومناطقهم الأصلية، بينما بقي عدد أقل داخل سبتة، من بينهم علاء الدين وشقيقه.

وأشارت في الوقت نفسه إلى استمرار تداول دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لمحاولة جماعية جديدة يوم السبت 15 غشت، رغم الحصيلة البشرية الثقيلة للموجة الأولى، والتي أورد التحقيق أنها تجاوزت 140 وفاة.

وتظل أوضاع الذين اختاروا البقاء في سبتة غير واضحة، إذ إن وجودهم داخل المدينة لا يمنحهم تلقائيا حق الانتقال إلى إسبانيا القارية أو الحصول على عمل وإقامة قانونيين.

وخلص التحقيق إلى أن قرار بعض العابرين عدم العودة لا يستند بالضرورة إلى يقين بشأن ما ينتظرهم في أوروبا، بقدر ما يعكس، في حالات عدة، قناعة بأن العودة إلى الظروف التي غادروها لا تمثل بالنسبة إليهم الخيار الأفضل في الوقت الراهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

الدار البيضاء تستعد لأحد أكبر مشاريع تثمين النفايات في إفريقيا باستثمار 1.3 مليار يورو

المنشور التالي

فيدرالية الناشرين تدق ناقوس الخطر وتطالب بإصلاح عميق لمنظومة الصحافة بالمغرب

المقالات ذات الصلة