واشنطن بوست: تعثر روسيا في الساحل يفتح الباب أمام دور مغربي متصاعد في الاستراتيجية الأمريكية

اعتبرت صحيفة واشنطن بوست أن التطورات الأمنية المتلاحقة في منطقة الساحل، خاصة في مالي، كشفت محدودية الوعود التي قدمتها روسيا لحلفائها الأفارقة، في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة بإعادة ترتيب حضورها داخل المنطقة، مع منح المغرب موقعا محوريا في هذا التوجه الجديد.

وفي مقال رأي نشرته الصحيفة الأمريكية، جرى التأكيد على أن النفوذ الروسي في الساحل الإفريقي يعيش مرحلة تراجع واضحة، بعد سلسلة الهجمات التي شهدتها مالي خلال الأسابيع الأخيرة، والتي نفذتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب مجموعات مسلحة من الطوارق.

وأوضح المقال أن هذه الهجمات استهدفت مواقع ومدنا متعددة، وامتدت تداعياتها إلى العاصمة باماكو، وسط تقارير تحدثت عن مقتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا في هجوم انتحاري بمدينة كاتي، وهو ما اعتبر ضربة قوية للسلطات العسكرية وللقوات الروسية المنتشرة في البلاد.

وبحسب الصحيفة، فإن “فيلق إفريقيا”، الذي يمثل الامتداد الجديد لمجموعة فاغنر الروسية داخل مالي منذ سنة 2021، اضطر إلى الانسحاب من بعض المناطق، خاصة مدينة كيدال الغنية بالمعادن شمال البلاد، ما اعتبر مؤشرا على بداية انحسار النفوذ الروسي في الساحل.

ورأت كاتبة المقال أن موسكو سعت خلال السنوات الأخيرة إلى بناء محور نفوذ يمتد من ليبيا إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مستفيدة من تصاعد التوتر بين هذه الدول والقوى الغربية، خاصة فرنسا، غير أن المشروع الروسي بدأ يواجه صعوبات متزايدة مع استمرار التدهور الأمني وفشل المقاربة العسكرية في احتواء الجماعات المتشددة.

وأضاف المقال أن روسيا قدمت نفسها كبديل للقوى الغربية عبر وعود بتأمين الاستقرار وحماية الأنظمة العسكرية، لكن الواقع الميداني أظهر، وفق الصحيفة، أن الوجود الروسي تركز أساسا حول باماكو ومناطق استخراج الذهب والمعادن، مقابل فقدان السيطرة على مساحات واسعة، ما سمح للتنظيمات المسلحة بتوسيع نفوذها.

كما اتهمت الصحيفة موسكو بتغذية الخطاب المعادي لفرنسا داخل دول الساحل، معتبرة أن الانسحاب الفرنسي خلق فراغا أمنيا لم تستطع روسيا ملأه بالشكل المطلوب.

وفي المقابل، أكدت “واشنطن بوست” أن واشنطن ترى في الوضع الحالي فرصة لإعادة بناء نفوذها داخل الساحل، سواء عبر التعاون الأمني أو من خلال مشاريع مرتبطة بالمعادن الاستراتيجية، خاصة الليثيوم الذي تعد مالي من أبرز منتجيه في إفريقيا.

وسلط المقال الضوء بشكل خاص على المغرب، باعتباره شريكا رئيسيا في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بالمنطقة، مشيرا إلى أن الرباط راكمت خبرة مهمة في مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني داخل إفريقيا، إلى جانب موقعها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية الواسعة.

وأشار المقال إلى أن قائد القوات البرية الأمريكية في أوروبا وإفريقيا، الجنرال كريستوفر دوناهيو، أعلن خلال قمة القوات البرية الإفريقية التي احتضنتها روما في مارس الماضي عن إنشاء مركز لتدريب الطائرات المسيرة فوق التراب المغربي، بالتزامن مع توقيع خارطة طريق دفاعية بين واشنطن والرباط تمتد لعشر سنوات.

واعتبرت الصحيفة أن المغرب يمنح الولايات المتحدة قدرة مباشرة على الوصول إلى منطقة الساحل، كما يوفر خبرة أمنية ومؤسساتية متقدمة في مواجهة التنظيمات المتشددة، وهو ما يجعله، بحسب المقال، شريكا استراتيجيا يصعب تعويضه داخل المنطقة.

وختمت “واشنطن بوست” بالتأكيد على أن عددا من الدول الإفريقية بات يتابع ما يجري في مالي باعتباره اختبارا حقيقيا لقدرة روسيا على الحفاظ على حلفائها خلال الأزمات، محذرة من أن أي تراجع إضافي لموسكو في الساحل قد يؤثر بشكل عميق على صورتها ونفوذها داخل القارة الإفريقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

رحيل أيقونة القفطان المغربي.. وفاة المصممة سميرة حدوشي تُغرق عالم الموضة في الحزن

المقالات ذات الصلة