في تطور لافت في الخطاب الرسمي الجزائري، أدلى الرئيس عبد المجيد تبون بتصريحات جديدة بخصوص ملف الصحراء المغربية، خلال مقابلة مع التلفزيون الرسمي لبلاده، اعتبرها متابعون مؤشرا على تحول نسبي في موقف الجزائر من هذا النزاع الإقليمي.
وقال تبون إن ملف الصحراء “يبقى بيد الأمم المتحدة ويخضع لمسار أممي”، وهو ما فسر من قبل بعض المراقبين على أنه تراجع عن لهجة سابقة كانت تتسم بدعم مباشر وصريح لجبهة البوليساريو، مقابل تركيز أكبر على المرجعية الأممية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 2797، الذي جدد التأكيد على أهمية التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم، وهو ما تعتبره الرباط منسجما مع مبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها كحل نهائي للنزاع.
تغيير في النبرة أم في المضمون؟
في هذا الصدد قال محمد سالم عبد الفتاح، المختص في شؤون الصحراء المغربية، في تصريح خص به THE PRESS بخصوص تصريح عبد المجيد تبون، أنه يمكن اعتباره كمؤشر نسبي على تخفيف في النبرة أكثر منه تحولا في المضمون، إذ أن الإحالة على المسار الأممي بدل الخطاب التصعيدي المباشر تعكس محاولة لإعادة ضبط اللغة الدبلوماسية الجزائرية في سياق دولي متغير. مضيفا أن هذا التحول في النبرة سبق أن لوحظ في خرجات سابقة للرئيس الجزائري، حيث تم تسجيل غياب أو تراجع في حدة الخطاب تجاه المغرب مقارنة بالمراحل السابقة التي كانت تتسم بحدة أكبر، غير أن هذا التخفيف يظل محدودا طالما لم يقترن بإشارات واضحة على مراجعة المواقف الجوهرية.
إعادة تموقع تكتيكي في سياق دولي ضاغط
يؤكد عبد الفتاح على أن، الإحالة إلى المسار الأممي تعكس نوعا من إعادة التموضع التكتيكي أكثر من كونها تحولا استراتيجيا كاملا، إذ تحاول الجزائر تأكيد تمسكها بالمرجعية الدولية لتفادي العزلة في ظل التحولات التي يشهدها الملف داخل الأمم المتحدة.
كما أن هذا التوجه ينسجم مع سعيها إلى الحفاظ على موقعها داخل العملية السياسية دون الظهور كطرف معرقل، خاصة مع تنامي الضغط الدولي نحو حل سياسي واقعي على قاعدة الحكم الذاتي.
ومع ذلك فإن هذا الخطاب لا يعني بالضرورة تبني المقاربة نفسها التي باتت تروج داخل مجلس الأمن الدولي، بقدر ما يظل للتسويق للمرجعية الأممية بمقتضياتها التقليدية التي باتت متجاوزة، دون الاعتراف بالتحول الكبير الذي شهدته المقاربة الأممية نحو المزيد من الواقعية والعقلانية والتي باتت تتقاطع مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
تغيير في اللهجة فقط أم بداية تحول فعلي؟
حسب المتخصص في شؤون الصحراء، فإن المعطيات الحالية ترجح أن الأمر يتعلق أساسا بتغيير في اللهجة وليس تحولا جوهريا في الموقف السياسي، حيث لا تزال الجزائر تؤكد في مواقفها الرسمية دعمها للأطروحة الانفصالية، وهو ما يعكس استمرارية في ثوابتها الدبلوماسية رغم تغير أسلوب التعبير عنها.
ومع ذلك لا يمكن استبعاد أن يكون هذا التغيير في الخطاب مقدمة لتحولات تدريجية تفرضها الضغوط الدولية والتوازنات الإقليمية الجديدة، خاصة إذا استمر الزخم الدولي الحالي في دعم المملكة وفي تكريس واقع السيادة المغربية على الصحراء.
انعكاسات محتملة على العلاقات المغربية الجزائرية
إذا استمر هذا التحول في النبرة، يقول عبد الفتاح، إنه قد يفتح المجال نظريا لخفض مستوى التوتر وتهيئة أرضية أولية لإعادة بناء الثقة، خاصة حالة الحسم الميداني التي تراكمها المملكة للنزاع المفتعل، وفي ظل الدعوات المتكررة للحوار بين البلدين، وإصرار عاهل البلاد على الحفاظ على لغة مهادنة وعلى إبقاء اليد ممدودة للتجارة الشرقية.
غير أن انعكاسه العملي يظل رهينا بمدى تحوله إلى مواقف ملموسة، لأن العلاقات بين المغرب والجزائر تحكمها عوامل بنيوية عميقة تتجاوز الخطاب السياسي، بحيث ظل النظام الجزائري لفترات طويلة يعتمد عليها في بناء سردية سياسية مرتبطة بشرعيته وتوازنات جبهته الداخلية.
وفي غياب خطوات عملية، قد يبقى هذا التغير في حدود إعادة صياغة الخطاب دون تأثير مباشر على مسار العلاقات الثنائية.