في وقت يشهد فيه العالم تحولات عميقة في طبيعة الصراعات وآليات إدارتها، يبرز دخول باكستان على خط الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران كمؤشر لافت على تغير قواعد اللعبة الدولية. هذا الدور الجديد لا يمكن فصله عن حالة السيولة التي تطبع النظام العالمي، حيث لم تعد المؤسسات التقليدية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي قادرة على احتكار إدارة الأزمات أو فرض حلولها كما في السابق.
في هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني زياد علوش في تصريح خص به THE PRESS، أن بروز باكستان كوسيط يعكس تحولا في موازين الوساطات الدولية، لكنه في الوقت ذاته نتاج مباشر لفراغ تركه تراجع أدوار وسطاء تقليديين في المنطقة. ويشير إلى أن العالم بعد أحداث “طوفان الأقصى” دخل مرحلة تتجاوز الأطر النظرية الكلاسيكية، حيث لم تعد القوانين والنظريات السياسية قادرة على تفسير واقع سريع التبدل، تصنع فيه القرارات تحت ضغط اللحظة، وتؤثر فيه عوامل مثل الإعلام الفوري والخوارزميات أكثر من الأيديولوجيات.
ويضيف علوش، أن هذه الوساطة تأتي في ظل تقاطع مصالح معقد بين عدة أطراف، فواشنطن، التي فوجئت بعدم انهيار النظام الإيراني، تبحث عن مخرج يجنبها مزيدا من الاستنزاف، فيما تخشى قوى إقليمية من تكرار سيناريوهات سابقة أدت إلى اختلال التوازنات. كما أن باكستان، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع طهران وواشنطن، تملك مقومات لعب هذا الدور، خاصة في ظل تراجع الثقة ببعض الوسطاء التقليديين.
لكن هذه التحركات لا تنفصل عن التداعيات الاقتصادية والأمنية الواسعة للأزمة. فالتوتر في منطقة الخليج يهدد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وهو مضيق هرمز، ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط وسلاسل الإمداد. وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي، في ظل اضطراب الأسواق المالية وزيادة تكاليف النقل والتأمين.
أما على المستوى الإقليمي، فأكد علوش أن لبنان، وخاصة جنوبه، يبقى من أكثر المناطق تأثرا بهذه التوترات، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين حزب الله وإيران. وأن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران قد ينعكس تهدئة في الجنوب اللبناني، عبر دفع نحو تسويات داخلية وتخفيف حدة التصعيد. في المقابل، فإن فشل المفاوضات قد يفتح الباب أمام توسع المواجهة، ويعمق الانقسامات داخل الساحة اللبنانية.
ورغم الحديث عن فرص للسلام، يطرح علوش تساؤلات جوهرية حول معنى هذا المفهوم في السياق الحالي، معتبرا أن ما يطرح اليوم لا يتجاوز في كثير من الأحيان حدود “الهدنة المؤقتة”. فالتباين في تعريف السلام بين الأطراف، واستمرار جذور الصراع، خاصة في القضية الفلسطينية، يجعل من أي اتفاق محتمل مجرد محطة ضمن صراع مفتوح، لا نهايته.
في المحصلة، تعكس الوساطة الباكستانية تحولا في أدوات إدارة الأزمات أكثر مما تعكس تغييرا جذريا في موازين القوى. إنها علامة على عالم جديد، تدار فيه الصراعات بمرونة أكبر، لكن دون ضمانات حقيقية للاستقرار. وبين رهانات التسوية ومخاطر التصعيد، يبقى السؤال مفتوحا: هل نحن أمام بداية مسار سلام، أم مجرد استراحة قصيرة في نزاع طويل.