نشر معطيات المتهمين في الفضاء الرقمي بين متطلبات العدالة وحماية الخصوصية

أثار نشر معطيات شخصية لأشخاص متابعين في قضايا قضائية، خصوصا في إطار المساطر الغيابية أو مذكرات البحث، نقاشا قانونيا وحقوقيا متجددا حول حدود التوازن بين فعالية العدالة وحماية الحقوق الأساسية للأفراد، وعلى رأسها الحق في الخصوصية وقرينة البراءة.

وفي هذا الصدد، يرى الحقوقي عبد الرزاق بوغنبور، في تصريح خص به THE PRESS، أن مسألة نشر المعطيات الشخصية عبر منصات رقمية عمومية لا يمكن النظر إليها بشكل مطلق، لأنها ترتبط بتقاطع معقد بين مقتضيات القانون وضمانات حقوق الإنسان. فالحق في الخصوصية يعد من الحقوق الأساسية التي يكفلها دستور المغرب 2011، الذي ينص على حماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي.

كما يعزز هذا التوجه القانون المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، والذي يقر مبدأ حماية المعطيات وعدم معالجتها أو نشرها إلا في حالات محددة يجيزها القانون، وبما يخدم هدفا مشروعا.

غير أن بوغنبور يؤكد أن نشر المعطيات الشخصية قد يصبح مشروعا في بعض الحالات المرتبطة بسير العدالة، مثل البحث عن أشخاص متابعين أو تنفيذ مقررات قضائية. وفي هذه الحالات، يظل التحدي الأساسي هو احترام مبدأي الضرورة والتناسب، بحيث يقتصر النشر على الحد الأدنى من المعلومات الضرورية لتحقيق الهدف القضائي، وفي إطار قانوني واضح ومؤطر.

القانون المغربي، بحسب المتحدث ذاته، لا يمنع بشكل مطلق نشر معلومات تتعلق بأشخاص ما زالوا في طور المتابعة القضائية، لكنه يحيط هذا الأمر بمجموعة من الضوابط. فالأصل أن الشخص المتابع يظل متمتعا بكامل حقوقه، بما فيها الحق في الكرامة والسمعة وحماية معطياته الشخصية.

وفي المقابل، تسمح بعض المقتضيات الإجرائية المرتبطة بالبحث القضائي أو بتنفيذ المساطر الجنائية بنشر معلومات محددة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص متوارين عن الأنظار أو موضوع مذكرات بحث أو إجراءات غيابية. غير أن هذا النشر، وفق المقاربة الحقوقية، يجب أن يكون موجها لتحقيق غاية مرتبطة بسير العدالة، لا أن يتحول إلى وسيلة للتشهير أو الوصم الاجتماعي.

وتتوافق هذه المقاربة أيضا مع المرجعيات الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد أن أي تقييد للحق في الخصوصية يجب أن يكون منصوصا عليه في القانون، وأن يكون ضروريا ومتناسبا مع الهدف المشروع المراد تحقيقه.

أما فيما يتعلق بإمكانية تعارض نشر هذه المعطيات مع مبدأ قرينة البراءة، فيوضح بوغنبور أن هذا المبدأ يعد من الركائز الأساسية للمحاكمة العادلة، إذ يفترض في كل شخص أنه بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.

ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراء قد يعطي الانطباع للرأي العام بأن الشخص المعني مذنب قبل صدور حكم نهائي قد يثير إشكالا قانونيا وحقوقيا. غير أن درجة التعارض مع هذا المبدأ تتوقف أساسا على كيفية تقديم المعلومات المنشورة وطبيعة الخطاب المصاحب لها.

فإذا تم نشر المعطيات في إطار مسطرة قانونية واضحة، مع التأكيد على أن الأمر يتعلق بأشخاص موضوع متابعة أو إجراءات غيابية وليس بأشخاص مدانين، فإن ذلك قد يحد من التأثير السلبي على قرينة البراءة. أما تقديمهم بطريقة توحي بالإدانة المسبقة، فقد يشكل مساسا واضحا بهذا المبدأ.

وفي تقدير الحقوقي ، فإن النقاش الدائر حول هذه القضية يعكس تحولا أوسع يرتبط بتطور مفهوم العدالة الرقمية، حيث تسعى المؤسسات القضائية إلى توظيف الوسائل التكنولوجية لتعزيز فعالية المساطر القضائية وتسريع إجراءاتها.

غير أن هذا التطور، بحسب بوغنبور، يجب أن يظل مؤطرا بثلاثة مبادئ أساسية هي الشرعية، التناسب وحماية الحقوق الأساسية. فنجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس فقط بفعاليتها التقنية أو الإجرائية، بل أيضا بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة وضمانات حقوق الإنسان.

وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد الصيغة التي تسمح بتحديث أدوات العدالة دون المساس بأسس المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها الحق في الخصوصية وقرينة البراءة، وهي مسألة تظل مفتوحة للنقاش القانوني والمجتمعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

تقرير: شتاء 2026 بالمغرب.. موسم استثنائي يعيد رسم الخارطة المائية بأرقام تاريخية

المنشور التالي

الأمن الوطني يفند إشاعات اختطاف أطفال في طنجة والعرائش والقنيطرة

المقالات ذات الصلة