محادثات واشنطن وإعادة رسم معادلة الحل في الصحراء المغربية

في واشنطن، حيث عادت الأطراف بداية هذا الأسبوع إلى طاولة المفاوضات حول نزاع الصحراء، بدا واضحا أن شيئا ما تغير في طبيعة النقاش الدولي: لم يعد السؤال المطروح هو “هل يمكن إيجاد حل؟” بل “أي حل هو الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ؟”. وفي قلب هذا التحول، يبرز المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره الإطار الوحيد الذي يجمع بين الشرعية السياسية، والواقعية القانونية، والدعم الدولي المتنامي.

المحادثات التي انطلقت بعد لقاءات تمهيدية في مدريد لا تدور في فراغ، بل تأتي في سياق إقليمي ودولي ضاغط يسعى إلى إنهاء واحد من أطول النزاعات في شمال إفريقيا. واشنطن، التي تضغط من أجل اتفاق-إطار في الأشهر المقبلة، تدرك أن استمرار الوضع القائم لم يعد يخدم أحدا، خصوصا في ظل التحولات الأمنية في منطقة الساحل والحاجة إلى فضاء مغاربي أكثر استقرارا وانسجاما. ومن هذا المنطلق، فإن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يعد مجرد خيار من بين خيارات، بل بات أرضية عملية يمكن البناء عليها فورا.

في المقابل، تبدو أطروحة الانفصال أسيرة مفارقة قاتلة: فهي ترفع سقفا سياسيا لا تملك أدوات تحقيقه. تجربة العقود الماضية أظهرت أن خيار الاستفتاء يصطدم بعقبات ديموغرافية وقانونية وسياسية تجعل تنفيذه أقرب إلى الشعار منه إلى المشروع القابل للتطبيق. المجتمع الدولي، الذي يقيس الأمور بمنطق الاستقرار والمصالح، لا يميل إلى إعادة إنتاج بؤر توتر جديدة، بل إلى احتواء النزاعات ضمن صيغ توافقية تحفظ السيادة وتضمن تمثيلية محلية موسعة.

الجزائر، التي تؤكد رسميا أنها ليست طرفا في النزاع، تجد نفسها عمليا في قلب المعادلة. احتضان قيادة البوليساريو فوق أراضيها، والدعم السياسي والدبلوماسي المستمر، جعلاها فاعلا مباشرا مهما حاولت توصيف دورها بغير ذلك. غير أن الرهان على استمرار المواجهة الدبلوماسية لم يحقق اختراقا نوعيا، بل كشف تدريجيا عن محدودية القدرة على تعبئة دعم صلب لمشروع الانفصال، خاصة مع امتناع قوى كبرى عن الذهاب بعيدا في تبني مواقف تصعيدية.

في المقابل، واصل المغرب تثبيت مقاربته على الأرض، عبر استثمارات ضخمة في الأقاليم الجنوبية، وتوسيع صلاحيات التدبير الجهوي، وتكريس تمثيلية انتخابية محلية. هذا المسار لا يقدم كحجة دعائية، بل كترجمة عملية لفلسفة الحكم الذاتي: تمكين الساكنة من تدبير شؤونها ضمن إطار السيادة الوطنية. وبين خطاب يعد بدولة مفترضة مؤجلة، وواقع تنموي قائم يتوسع تدريجيا، تميل الكفة إلى من يقدم نموذجا قابلا للقياس والتقييم.

حتى داخل مخيمات تندوف، بدأت تظهر تساؤلات مشروعة حول أفق الاستمرار في وضع مؤقت طال أمده. أجيال جديدة ولدت ونشأت في ظل الجمود، وتبحث عن أفق اقتصادي وسياسي واضح. ومع تصاعد النقاشات الداخلية حول القيادة والمسار، يتضح أن أطروحة “الإجماع المطلق” لم تعد صلبة كما كانت تصور. وفي السياسة، حين تتآكل القناعة الداخلية، يصعب تعويضها بخطاب تعبوي خارجي.

مفاوضات واشنطن قد لا تحسم كل شيء دفعة واحدة، لكنها تعكس لحظة مفصلية: لحظة انتقال من إدارة النزاع إلى البحث الجدي عن تسوية. والرواية المغربية تكسب زخما لأنها لا تطرح انتصارا على أحد، بل تقترح صيغة توازن بين وحدة الدولة وخصوصية الجهة، بين السيادة والانفتاح، وبين الواقعية والطموح. العالم اليوم لا يكافئ من يرفع الشعارات الأعلى، بل من يقدم الحلول الممكنة.

لهذا، فإن الرهان الحقيقي لم يعد على كسب جولة خطابية، بل على حسم خيار استراتيجي: إما الانخراط في حل سياسي واقعي يفتح الباب أمام استقرار إقليمي طال انتظاره، أو الاستمرار في تدوير أزمة تستنزف الجميع. وفي ميزان السياسة الدولية الراهنة، يبدو أن كفة الواقعية تميل بوضوح نحو المقترح المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

رئيس الحكومة يعقد اجتماعا لتتبع تنزيل إصلاح منظومة التربية الوطنية والتعليم الأولي

المنشور التالي

سيكولوجية الصيام.. كيف تؤثر كيمياء الدماغ واضطرابات النوم على سلوك الصائم؟

المقالات ذات الصلة