بين الطموح إلى خوض المهن الرقمية والتمسك بالأمان الوظيفي، يرسم الشباب المغربي اختياراته المهنية داخل واقع تتداخل فيه تأثيرات الأسرة والمحيط الاجتماعي مع الفرص التي تتيحها التكنولوجيا. هذا ما تكشفه أطروحة دكتوراه ناقشها الباحث ياسين إيصبويا، الاثنين 19 أكتوبر 2026، بكلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، حول المحددات القيمية لاختيارات المهن المستقبلية لدى الشباب في ظل تحديات الثورة الصناعية الرابعة، وحصل بموجبها على ميزة «مشرف جدا مع توصية بالنشر».

واستند البحث إلى دراسة ميدانية شملت 1523 طالبا ومتدربا بجامعة عبد المالك السعدي ومؤسسات التعليم العالي والتكوين المهني بجهة طنجة تطوان الحسيمة، إلى جانب 30 أستاذا ومكونا و16 مقابلة شبه موجهة مع فاعلين تربويين وتكوينيين وإداريين. وأظهرت النتائج أن 88.1 في المائة من المستجوبين سبق لهم السماع بمهن المستقبل، بينما ظل الأمان في صدارة الأولويات القيمية لدى نحو نصفهم، في مؤشر على أن الوعي بالتحولات التكنولوجية لا يلغي البحث عن الاستقرار.
وكشفت الدراسة أن 55.6 في المائة من المستجوبين يتجهون نحو هويات مهنية هجينة، تجمع بين مجالات ومهارات متعددة، فيما شكل المحتوى الرقمي مصدرا للمعلومات المهنية لدى 58.4 في المائة منهم. غير أن اتساع حضور المنصات لا يعني تأثيرا مباشرا في القرارات؛ إذ برزت العلاقة بين تجارب المحيط الاجتماعي القريب والاختيار المهني الرقمي باعتبارها العلاقة التي احتفظت بدلالتها الإحصائية بعد تصحيح الاختبارات المتعددة، مع بقاء حجم أثرها محدودا.

ولتفسير هذه التفاعلات، يقترح الباحث مفهوم «العقلانية المهنية التفاوضية»، الذي ينظر إلى الاختيار المهني باعتباره موازنة مستمرة بين الطموحات والقيم والموارد والإكراهات. ووفق هذا التصور، يتشكل القرار عبر التفاعل مع الأسرة ومؤسسات التكوين وسوق الشغل والبيئة الرقمية، حيث تساهم الخوارزميات في إبراز فرص وتصورات مهنية دون غيرها، بينما تتفاوت قدرة الشباب على تقييمها والاستفادة منها تبعا لإمكاناتهم الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية.
وتفتح الأطروحة نقاشا حول ضرورة تجديد التوجيه المهني، عبر تجاوز تقديم المعلومات عن التخصصات والوظائف إلى تمكين الشباب من تحليل الفرص والمخاطر وبناء مسارات قابلة للتطور. كما تبرز أهمية التفكير النقدي والتربية الرقمية والتعلم المستمر، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية؛ فمعرفة المهن الجديدة لا تكفي للولوج إليها، ما لم تتوفر للشباب الموارد والمهارات التي تحول الطموح إلى فرصة فعلية.