أثار إدراج وزارة مكلفة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة ضمن تشكيلة الحكومة المغربية الجديدة، التي جرى تعيين أعضائها، أمس الجمعة، اهتماما بهذا التوجه الحكومي الجديد، الذي يجمع بين تطوير استخدامات التكنولوجيا وتحديث الإدارة العمومية، في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية عالميا وتتزايد الرهانات المرتبطة بتوظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
ويسند هذا القطاع إلى أحمد رحو، الذي سبق أن ترأس مجلس المنافسة، في خطوة تفتح النقاش حول طبيعة المهام المنتظرة من الوزارة الجديدة، ومدى قدرتها على الانتقال من رقمنة الخدمات الإدارية إلى توظيف التقنيات الحديثة لتحسين جودتها وتبسيط المساطر وتقليص آجال معالجة الملفات.
من الرقمنة إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا يعني إحداث الوزارة الجديدة؟
يأتي إحداث هذه الوزارة في سياق يتزايد فيه حضور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والإدارة والخدمات، بعدما أصبحت التقنيات الرقمية أداة لتطوير الإنتاجية، وتحسين معالجة البيانات، وتبسيط عدد من الإجراءات.
وفي المغرب، يرتبط الرهان أساسا بقدرة المؤسسات العمومية على توظيف هذه التقنيات في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين والمقاولات، وتقليص آجال معالجة الملفات، وتيسير الولوج إلى المعلومات والخدمات الإدارية.
غير أن إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن التسمية الرسمية لوزارة لا يعني، في حد ذاته، تحقق هذه الأهداف إذ يظل تنزيلها مرتبطاً بطبيعة البرامج التي ستُعتمد، والموارد المالية والبشرية المتاحة، ومدى التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية.
إصلاح الإدارة.. الاختبار الأقرب إلى المواطن
لا يتوقف نطاق الوزارة الجديدة عند التكنولوجيا، بل يمتد إلى إصلاح الإدارة العمومية، وهو ما يجعل أثرها المحتمل مرتبطا بتفاصيل يومية تهم المواطنين، من الحصول على الوثائق إلى معالجة الطلبات وتبادل المعلومات بين المؤسسات.
ويطرح الجمع بين هذه الاختصاصات سؤالا حول كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير الإدارة، بدل الاكتفاء بنقل المساطر الورقية إلى منصات إلكترونية.
فنجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات والتطبيقات التي تطلق، وإنما بمدى قدرتها على تقليص التعقيدات الإدارية، وتحسين جودة الخدمات، وضمان سهولة استخدامها من مختلف الفئات، بما فيها الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الولوج إلى التكنولوجيا.
كما يفرض هذا التوجه الاهتمام بحماية المعطيات الشخصية، وأمن الأنظمة الرقمية، وشفافية القرارات التي يمكن أن تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تأهيل الموظفين لمواكبة التحولات الجديدة.
أحمد رحو أمام تحدي تحويل التوجه إلى نتائج
أسندت الحقيبة الجديدة إلى أحمد رحو، الذي سبق أن ترأس مجلس المنافسة، وتولى مسؤوليات في القطاعين البنكي والصناعي، فضلاً عن مهام دبلوماسية بصفته سفيراً للمغرب لدى الاتحاد الأوروبي.
ويجمع مساره المهني بين التكوين الهندسي والخبرة في تدبير المؤسسات، غير أن توليه الوزارة الجديدة يضعه أمام مجال واسع تتداخل فيه التكنولوجيا مع التنظيم الإداري والاقتصاد وحماية البيانات.
وتبرز ضمن الملفات المطروحة أمام القطاع ضرورة تحديد أولويات واضحة للتحول الرقمي، وتطوير الخدمات العمومية الإلكترونية، وتعزيز التنسيق بين الإدارات، إلى جانب مواكبة المقاولات في اعتماد التكنولوجيا وتأهيل الكفاءات المغربية.
كما يرتبط نجاح هذه المهمة بمدى قدرة الوزارة على العمل المشترك مع القطاعات الأخرى، بالنظر إلى أن استخدامات الذكاء الاصطناعي تمتد إلى الصحة والتعليم والصناعة والمالية والنقل، ولا يمكن حصرها في مؤسسة حكومية واحدة.
بين الطموح التكنولوجي وانتظارات المواطنين
يفتح إحداث وزارة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير هذا الملف على المستوى الحكومي، لكنه يضع أيضا مسألة النجاعة والمحاسبة في صلب النقاش حول نتائج السياسات الرقمية.
فالتحدي لا يتمثل فقط في مواكبة التطور التكنولوجي العالمي، بل في تحديد الكيفية التي يمكن من خلالها توظيفه لتحسين الخدمات، وتيسير حياة المواطنين، وخلق فرص اقتصادية جديدة، مع الحد من الفجوة الرقمية بين الفئات والمناطق.
وبين التوجه المعلن والنتائج المنتظرة، ستظل المؤشرات العملية، من قبيل تقليص آجال الخدمات الإدارية، وتحسين الولوج إليها، ورفع مستوى أمن البيانات، وتوسيع استخدام التكنولوجيا في القطاعات الإنتاجية، عناصر أساسية لتقييم أثر الوزارة الجديدة.
وهكذا، لا يقتصر الرهان أمام وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة على إدخال التكنولوجيا إلى المؤسسات، بل يمتد إلى جعلها وسيلة لتحسين أداء المرفق العمومي، وربط التحول الرقمي بنتائج ملموسة في حياة المواطنين.