كشفت دراسة حديثة أن متانة العلاقات الدبلوماسية التي تجمع المغرب بعدد من الدول لا تنعكس بالضرورة على طريقة تناول وسائل إعلامها للقضايا المرتبطة بالمملكة، مؤكدة أن التقارب السياسي أو الإشادة الرسمية لا يعنيان تلقائيا تبني خطاب إعلامي إيجابي أو متوافق مع المواقف الرسمية.
وأوضحت الدراسة، التي أنجزها مكتب “Affinytix” للدراسات بالدار البيضاء، اعتمادا على تحليل 4158 مادة إعلامية نشرت في 363 وسيلة إعلامية موزعة على 53 دولة، أن صورة المغرب في الإعلام الدولي تتشكل وفق تفاعلات معقدة تجمع بين السياقات السياسية والخيارات التحريرية والخصوصيات الثقافية والإعلامية لكل بلد، بعيدا عن أي منطق ثابت أو أحادي.
وبحسب ما أورده مدير المكتب في حوار مع أسبوعية “تيلكيل”، فإن العلاقة بين مستوى التقارب السياسي ونبرة التغطية الإعلامية ليست دائما مباشرة، إذ قد تتبنى وسائل إعلام في دول تربطها بالمغرب علاقات وثيقة خطابا أكثر نقدا أو تحفظا، في حين تميل وسائل إعلام بدول أخرى أقل ارتباطا إلى تقديم صورة أكثر إيجابية.
ففي فرنسا، ورغم عمق الروابط التاريخية والسياسية والاقتصادية مع المغرب، تركز التغطيات الإعلامية غالبا على ملفات الهجرة والسياسات العمومية من منظور نقدي وتحليلي يقوم على المساءلة. أما في الإمارات العربية المتحدة، فتغلب المقاربة الإيجابية التي تركز على الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، مع حضور أقل للنقاشات النقدية المرتبطة بالشأن الداخلي.
كما رصدت الدراسة تفاوتا واضحا في تمثلات المغرب باختلاف المناطق الجغرافية. ففي السنغال، تسود صورة إيجابية تبرز الروابط التاريخية والدينية والدور الإقليمي للمملكة في غرب إفريقيا، بينما يطغى في الصين البعد الاقتصادي، حيث ينظر إلى المغرب باعتباره منصة استثمارية وبوابة استراتيجية بين إفريقيا وأوروبا. وفي المقابل، تحتل قضايا الهجرة والعلاقات الثنائية الحساسة موقعا مركزيا في الإعلام الإسباني، ما يمنح صورة المغرب طابعا أمنيا وسياسيا أكثر من كونه تنمويا أو اقتصاديا.
وأشارت الدراسة إلى أن كثافة الإشادة الإعلامية لا تعني بالضرورة تأثيرا أكبر أو فهما أعمق للواقع المغربي. ففي قطر، يميل الخطاب الإعلامي إلى إبراز الجوانب الإيجابية المرتبطة بالشراكات الثنائية، لكنه يبقى محدودا من حيث تحليل السياسات الداخلية. وعلى النقيض من ذلك، تعتمد وسائل الإعلام البريطانية مقاربات أكثر تفصيلا وتحليلا، رغم ما قد تتضمنه أحيانا من مواقف نقدية أو متحفظة، وهو ما يمنحها حضورا وتأثيرا أكبر في النقاش الدولي.
وسلط التقرير الضوء كذلك على ما سماه “الزوايا العمياء” في التغطية الإعلامية للمغرب، أي القضايا التي يتم تناولها بشكل جزئي أو يتم إغفالها. ففي الولايات المتحدة، تركز التغطيات بشكل أساسي على ملفات الأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي، مقابل اهتمام أقل بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية. أما في إيطاليا، فتظل صورة المغرب مرتبطة في الغالب بملفات الهجرة والحدود، مع حضور محدود للجوانب التنموية والاستثمارية.
وأكدت الدراسة أن الهدف لا يتمثل في تصنيف صورة المغرب ضمن خانتي الإيجابي أو السلبي، بل في فهم آليات تشكلها داخل المؤسسات الإعلامية الدولية، حيث تخضع كل وسيلة إعلامية لاعتبارات مهنية وسياقات محلية تؤثر في طريقة تناولها للأحداث. ويبرز النموذج الألماني في هذا السياق من خلال اعتماد مقاربة تحليلية وتقنية ترتكز على البيانات والتقارير المعمقة، ما يجعل صورة المغرب مرتبطة أكثر بالمؤشرات والسياسات العمومية.
وخلصت الدراسة إلى أن صورة المغرب في الإعلام الدولي ليست موحدة، بل تتكون من سرديات متعددة ومتداخلة تختلف باختلاف الدول والسياقات السياسية والجغرافية. وبين فرنسا والإمارات والسنغال والصين وإسبانيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وقطر وإيطاليا وألمانيا، تتعدد زوايا النظر وتتباين الأولويات، ما يجعل صورة المملكة أقرب إلى فسيفساء إعلامية معقدة منها إلى رواية واحدة مستقرة وواضحة.