بقلم عبد الحميد بن يحيا: صحفي وإعلامي
ليست كل المواعيد الانتخابية لحظات ديمقراطية بالضرورة. بعضها لا يفعل أكثر من إعادة توزيع المقاعد، وتغيير الأسماء على الأبواب، ثم ترك الأسئلة القديمة في الممر نفسه.
لذلك، لا يبدو الثلاثاء المقبل مهما لأن الصحافيين سيختارون ممثليهم فحسب، بل لأن المهنة ستقول، بطريقة أو بأخرى، أي مجلس للصحافة تريده بعد تجربة كان يفترض أن تجعل التنظيم الذاتي أكثر رسوخا، فإذا بها تترك وراءها سؤالا أكبر من حصيلتها: هل شعر الصحافي، فعلا، أن المجلس كان مجلسه؟؟
لم تكن التجربة السابقة عدما، ومن غير الإنصاف اختزالها في الإخفاق. غير أن المؤسسات لا تقاس فقط بما أنجزته في محاضر اجتماعاتها، بل أيضا بالثقة التي راكمتها خارج جدرانها. وهنا تحديدا يصعب الادعاء بأن كل شيء سار كما ينبغي. بطاقة مهنية تحولت في لحظات إلى موضوع توتر، وتنظيم ذاتي لم ينج دائما من منطق التجاذب، وأوضاع اجتماعية ظلت على هامش الأولويات، ومسافة لم تكن دائما قصيرة بين المؤسسة وبين صحافي يشتغل بعيدا عن المركز والضوء.
والأخطر أن كل ذلك حدث بينما كانت الصحافة نفسها تتغير تحت أقدامنا.
لم يعد السؤال فقط: من هو الصحافي؟ بل أيضا: من سينتج الخبر غدا؟ وبأي أدوات؟ ولحساب من؟ وكيف نحمي المهنة في زمن تستطيع فيه الخوارزمية أن تكتب خبرا، وأن تصنع صورة، وأن تقلد صوتا، بينما ما زلنا مختلفين حول أبجديات الحماية الاجتماعية والاستقلال التحريري وكرامة الصحافي؟
لهذا لا أريد الثلاثاء مجلسا من الملائكة. الملائكة، لحسن الحظ، لا تترشح للانتخابات.. ولا أريده مجلسا من المتشابهين.
أريده وفيه من يعرف ثمن السؤال حين يُطرح في المكان غير المريح. ومن يعرف أن وراء التحقيق وثيقة، وخلف الوثيقة باباً قد يُغلق في وجهك. أريده وفيه من قضى ما يكفي من العمر داخل غرفة الأخبار ليدرك أن القرار التحريري مسؤولية لا رتبة إدارية.
أريده وفيه أيضا من لا يخجل من كلمة “نقابة”، شرط ألا يجعل منها سلّما. فالحقوق الاجتماعية جزء من معركة الاستقلال المهني؛ الصحافي الذي يشتغل بأجر لا يصون كرامته، أو بعقد هش، ويعيش قلق الغد، تضيق أمامه مساحة الحرية كلما اتسعت مساحة الحاجة.
وأريده وفيه شيء من الذاكرة. ليس كل قديم عبئا، كما أن كل جديد ليس إصلاحا. قد نحتاج أحيانا إلى من يعرف من الداخل أين أخطأنا، شريطة أن يدخل التجربة الجديدة وفي جيبه دروس السابقة لا مفاتيحها.
وسأميل، بالتأكيد، إلى من يفهم أن الصحافة لم تعد ورقا وميكروفونا وكاميرا فقط؛ وأن الرقمنة ليست فتح حساب على منصة اجتماعية؛ وأن مؤسسة التنظيم الذاتي التي لا تفكر من الآن في الذكاء الاصطناعي، واقتصاد المنصات، والتحقق، وحماية المحتوى، ستستيقظ ذات صباح لتكتشف أنها تنظم مهنة لم تعد موجودة بالشكل الذي تعرفه.
هذه، تقريبا، ملامح الورقة التي سأحملها معي الثلاثاء.
لن تكون مكافأة لصديق، ولا عقوبة لخصم. ولن أسأل صاحب الاسم إن كان قريبا من هذا الطرف أو ذاك بقدر ما سأسأل سيرته: ماذا فعل حين لم يكن محتاجا إلى صوتي؟
ذلك، بالنسبة إلي، هو الامتحان الأكثر نزاهة للوعود.
فالكلمات تصبح رخيصة في موسم الانتخابات، وما يسبق الحملة أصدق منها بكثير: مسارٌ لا تُبدّله المواقع، وموقفٌ لا تُروّضه الإدارة. فالذي يطلب ثقة المهنة، لا يليق به أن يكون قد خذل أهلها يوما.
لهذا سأضع علاماتي الثلاثاء وأنا واعٍ بأنني لا أختار قديسين، ولا أوقع شيكا على بياض لأحد.
بعض من سأختارهم أعرف اختلافاتهم، وربما أعرف عيوبهم أيضا. وهذا أفضل. فالمجلس الذي أتمناه ليس مجلسا يتفق أعضاؤه على كل شيء؛ أخشى تحديدا المجالس التي يحدث فيها ذلك.
أريده مكانا يصعب فيه الإجماع عندما يكون الإجماع ضد الصحافي، ويصبح فيه الاختلاف ممكنا من دون أن يتحول إلى حرب مواقع.
أما أنا، فوضعتُ علاماتي السبع. ويوم الثلاثاء تنتهي مهمتي كمُصوّت، وتبدأ مسؤوليتهم هم.
المقالات ذات الصلة
جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ بالمغرب بين نصوص التأثيث ومظاهر التهميش
بقلم د.محمد شقير على غرار السنوات السابقة و قبيل انطلاق الموسم الدراسي لهذه السنة ، استقبل وزير التربية…
المغرب: من نهضة عمران إلى نهضة إنسان (الحلقة 4)
بقلم الدكتور أحمد أزوغ: أستاذ باحث، مدير ماستر للذكاء الاصطناعي بباريس نماذج التخلق عبر العالم: كيف استطاعت بعض…
أمواج عالية، و أسعار أعلى بالدار البيضاء: التقلبات الجوية تضغط على الصيد البحري و ترفع أثمان الشراء
من إعداد الصحفيين الشباب: أميمة الفقير، ايناس الكواي، ياسمين كرموش، جنات الغازي، مريم فتاح، ادم بلفقيه تحت إشراف…