احتجاجات فرنسا تعمق عزلة ماكرون وتكشف مأزق الطبقة السياسية

أعادت موجة الاحتجاجات وأعمال الشغب التي شهدتها فرنسا النقاش حول قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته على احتواء الأزمات الاجتماعية والأمنية، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة وتفاقم الاستقطاب السياسي.

ورأت صحيفة “فايننشال تايمز” أن أعمال العنف والنهب كشفت عن إخفاقات داخل الطبقة السياسية الفرنسية، معتبرة أن حجم الاضطرابات وطبيعتها تجاوزا ما اعتادت عليه البلاد، المعروفة بتاريخها الطويل مع الاحتجاجات الجماهيرية. فقد أسفرت الأحداث، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، عن اعتقال نحو 2400 شخص، فيما تعرضت آلاف المتاجر والمؤسسات التجارية للنهب أو التخريب، وطالت أعمال العنف مباني عامة، من بينها مبنى بلدية ليموج التاريخي الذي أضرم محتجون النار فيه.

وفي حين حملت الحكومة جماعات متطرفة وعناصر إجرامية مسؤولية تأجيج الفوضى، أشارت الصحيفة إلى أن مسؤولية ما جرى لا تقتصر على المشاركين في أعمال التخريب، بل تمتد أيضا إلى السلطات التي أخفقت، وفق تقييمها، في تقدير حجم التحركات والاستعداد لها أمنياً. كما أثارت طريقة انتشار قوات الشرطة ومدى جاهزيتها تساؤلات بشأن قدرة الأجهزة المعنية على التعامل مع اضطرابات بهذا الحجم.

وتضع هذه التطورات حكومة رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو أمام تحديات متشابكة، في ظل غياب أغلبية برلمانية داعمة لها وتراجع الدعم السياسي للرئيس. وكان ليكورنو قد دعا إلى فرض حظر تجول محلي لمنع تجدد أعمال العنف، مع إبقاء خيار إعلان حالة الطوارئ مطروحاً، فيما رفض ماكرون قبول استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، وفق ما أورده التقرير.

ولا تقتصر الأزمة على الجانب الأمني إذ تواجه الحكومة هامشا ماليا ضيقا للاستجابة للمطالب الاجتماعية. فبينما لجأت إدارة ماكرون خلال احتجاجات “السترات الصفراء” في عامي 2018 و2019 إلى تقديم مساعدات بقيمة نحو 11 مليار يورو، تواجه باريس اليوم ضغوطا متزايدة مرتبطة بالدين العام وتكاليف الاقتراض. وتخطط الحكومة، بحسب الصحيفة، لخفض الإنفاق وزيادة الضرائب بنحو 43 مليار يورو في ميزانية العام المقبل، ما يحد من قدرتها على اللجوء إلى الإنفاق العام لاحتواء الغضب الاجتماعي.

سياسيا، تمنح الاضطرابات مساحة أكبر للأطراف المناهضة للمؤسسة الحاكمة، في وقت يتعرض فيه التيار الوسطي لضغوط متزايدة. فقد ربط حزب مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، أعمال العنف بقضية الهجرة، بينما سعى جان لوك ميلانشون، زعيم اليسار المتطرف، إلى توظيف الاحتجاجات لتعزيز خطابه المعارض للنظام السياسي القائم. أما إدوارد فيليب، المنتمي إلى تيار الوسط، فيواجه بدوره تحدي تقديم رؤية سياسية مغايرة في ظل ارتباطه بحكومة تواجه انتقادات واسعة.

وبحسب قراءة “فايننشال تايمز”، كشفت الاحتجاجات عن عمق المظالم الاجتماعية وصعوبة معالجتها في ظل القيود المالية والانقسامات السياسية. وبين تراجع الثقة في المؤسسات وتصاعد الاستقطاب، تبدو الأزمة الفرنسية أبعد من مجرد اضطرابات أمنية عابرة، إذ تعكس تحدياً أوسع أمام الطبقة السياسية في التعامل مع المطالب الاجتماعية واستعادة ثقة المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

أرامكو تطلب إخلاء مقرها الرئيسي في الظهران وسط تصاعد التوترات

المقالات ذات الصلة