أكد التقرير الأخير الصادر عن وزارة الجيوش الفرنسية دخول صفقة مروحيات «كاراكال» المغربية حيز التنفيذ خلال سنة 2025، واضعا إياها ضمن أبرز طلبيات التسلح الفرنسي المبرمة خلال العام، في مؤشر يعكس تنامي التعاون العسكري والدفاعي بين الرباط وباريس.
وأدرجت فرنسا، في تقريرها الموجه إلى البرلمان برسم سنة 2026 حول صادرات الأسلحة، المغرب ضمن أبرز زبائنها الذين أبرموا صفقات كبرى لاقتناء معدات عسكرية خلال سنة 2025، من بينها صفقة مروحيات «كاراكال».
وتكتسب هذه الإشارة الرسمية أهمية خاصة، باعتبارها تأتي بعد أشهر من المفاوضات التي حظيت بتغطية واسعة من وسائل الإعلام الفرنسية والمغربية. ورغم أن التقرير لم يكشف عن العدد النهائي للمروحيات أو القيمة المالية الخاصة بالعقد، فإنه يميز بين صفقة «كاراكال» ومجموع طلبيات المعدات الدفاعية الفرنسية الموجهة إلى المغرب، والتي بلغت قيمتها 532.1 مليون يورو خلال سنة 2025.
ويمثل هذا الرقم ارتفاعا لافتا في حجم التعاون الدفاعي بين البلدين، بعدما لم تتجاوز قيمة الطلبيات الفرنسية الموجهة إلى المغرب 13.1 مليون يورو سنة 2024، قبل أن تقفز إلى 532.1 مليون يورو في 2025، وهو أعلى مستوى سنوي منذ بدء وزارة الجيوش الفرنسية نشر هذه الإحصاءات سنة 2016. وبذلك بلغ إجمالي قيمة الطلبيات المغربية خلال العقد الأخير نحو 1.3251 مليار يورو.
ويعود اهتمام المغرب بمروحيات «كاراكال» الثقيلة، التي تنتجها شركة «إيرباص هيليكوبترز»، إلى سنوات، في إطار مساعي القوات المسلحة الملكية لتحديث أسطولها الجوي وتعويض عدد من المروحيات القديمة.
واكتسب الملف زخما أكبر عقب زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب ما بين 28 و30 أكتوبر 2024، حيث تحدثت وسائل إعلام فرنسية عن احتمال اقتناء 18 مروحية من طراز «H225M كاراكال»، بينها 12 مروحية للقوات الملكية الجوية وست لفائدة الدرك الملكي، بكلفة قدرت آنذاك ما بين 600 و800 مليون يورو.
واستمرت المفاوضات التقنية والمالية بعد الزيارة الرئاسية، بهدف تحديد المواصفات النهائية وشروط العقد، فيما أفادت صحيفة «لا تريبين» باستمرار النقاش حول اقتناء عشر مروحيات أساسية، مع إمكانية إضافة وحدات أخرى ضمن خيارات مستقبلية.
وفي 18 نونبر 2025، أعلنت شركة «إيرباص هيليكوبترز» رسميا إبرام عقد نهائي مع المغرب لتزويده بعشر مروحيات من طراز «H225M»، لتأتي المعطيات الواردة في التقرير الفرنسي الأخير وتمنح الصفقة تثبيتا مؤسساتيا، باعتبارها واحدة من العقود الكبرى للتسلح الفرنسي التي دخلت حيز التنفيذ خلال سنة 2025.
وتندرج الصفقة ضمن مسار أوسع لإعادة بناء التعاون العسكري بين الرباط وباريس، بدأ في يوليوز 2024 مع اتفاق البلدين على إحداث لجنة مشتركة للتسلح، خلال زيارة إيمانويل شيفا، الذي كان يشغل آنذاك منصب المدير العام للتسليح، بهدف وضع إطار مؤسساتي للشراكة الصناعية وتطوير القدرات العسكرية.
كما شكلت زيارة ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024 محطة إضافية لتعزيز هذا المسار، بعدما ركزت المباحثات الثنائية على مجالات الطيران العسكري، في ظل مشاركة برونو إيفان، الرئيس التنفيذي لـ«إيرباص هيليكوبترز»، ضمن الوفد الرسمي الفرنسي، لتتواصل المشاورات خلال سنة 2025 قبل إتمام العقد ودخوله حيز التنفيذ.
ويتميز اختيار مروحية «H225M كاراكال»، المنحدرة من عائلة «سوبر بوما»، بطابع عملياتي متقدم، بالنظر إلى قدرتها على تنفيذ مجموعة واسعة من المهام العسكرية، من بينها النقل التكتيكي، والعمليات الخاصة، والإجلاء الطبي، إضافة إلى مهام البحث والإنقاذ القتالي «CSAR».
وتعتمد القوات الجوية والفضائية الفرنسية على هذا الطراز في عدد من العمليات الخارجية، كما تسلمت الإدارة العامة للتسليح الفرنسية في يونيو 2026 آخر مروحية ضمن طلبيتها الوطنية، المخصصة لتعويض مروحيات «بوما» في أقاليم ما وراء البحار.
ومن شأن دخول «كاراكال» إلى الخدمة لدى القوات الملكية الجوية أن يعزز قدرات المغرب في مجال النقل التكتيكي والانتشار بعيد المدى، فضلا عن دعم القوات الخاصة وتنفيذ مهام الإغاثة والإنقاذ، بما ينسجم مع توجه تحديث الأسطول الجوي وتعويض المروحيات المتقادمة.
في المقابل، تستدعي الأرقام التي أوردتها وزارة الجيوش الفرنسية قراءة دقيقة، إذ إن مبلغ 532.1 مليون يورو لا يمثل قيمة صفقة «كاراكال» وحدها، بل يشمل مجموع الطلبيات العسكرية الفرنسية الموجهة إلى المغرب خلال سنة 2025. كما سجلت السنة ذاتها تسليمات فعلية بقيمة 83.3 مليون يورو، إلى جانب الموافقة على 42 ترخيصا للتصدير.
وتبرز القفزة المسجلة في الطلبيات المغربية بشكل واضح مقارنة بالسنوات السابقة، إذ أصبحت المملكة المستفيد الرئيسي من صادرات السلاح الفرنسية نحو شمال إفريقيا خلال سنة 2025، بما يعكس مستوى متقدما من التقارب في المجال الدفاعي بين البلدين.
ولا يقتصر هذا التطور على اقتناء المعدات العسكرية، بل يتجه نحو بناء شراكة دفاعية وصناعية أكثر تكاملا، مستفيدة من الإطار المؤسساتي الذي وفرته لجنة التسلح المشتركة بين الرباط وباريس.
وفي هذا السياق، تتجه «إيرباص هيليكوبترز» إلى بحث إمكانية إنشاء مركز محلي للصيانة والإصلاح والتجديد «MRO» في المغرب، بما يسمح بتوفير الدعم التقني لأسطول المروحيات، وتحويل المملكة إلى منصة إقليمية لخدمات الصيانة موجهة أيضا إلى بلدان غرب إفريقيا، وهو ما قد يمنح برنامج «كاراكال» بعدا يتجاوز التزويد بالمعدات نحو شراكة صناعية ودفاعية طويلة الأمد.