بين التصعيد والاحتواء: إلى أين تتجه الحرب في الشرق الأوسط؟

في ظل التوترات المتسارعة التي يشهدها لشرق الأوسط، يطرح توصيف طبيعة الحرب الدائرة سؤالا معقدا يتجاوز “الحرب المباشرة”. فالمشهد الراهن يعكس تداخلا بين المستويين معا: مواجهة غير متكافئة في الشكل بين الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وإيران كقوة إقليمية صاعدة، لكنها في الجوهر صراع متعدد الأبعاد تتقاطع فيه حسابات داخلية وإقليمية ودولية.

في هذا الصدد يرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني زياد علوش، في تصريح خص به THE PRESS ، أن هذه الحرب لا يمكن فصلها عن سياقات أوسع، من بينها سياسات بنيامين نتنياهو وطموحات التيارات المتشددة في إسرائيل، إلى جانب مصالح واشنطن الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والنفوذ. كما أن الانخراط غير المباشر لكل من الصين وروسيا يضيف طبقة إضافية من التعقيد، تجعل من الصراع ساحة لتوازنات دولية دقيقة.

أكد علوش أن، التفوق العسكري للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، لايمكنه أن يبخس من قدرة إيران وحلفائها، خصوصا حزب الله، فطبيعة هذا المحور تقوم على استراتيجيات “الاستنزاف” و”تعدد الجبهات”، ما يسمح بإرباك الخصم ورفع كلفة المواجهة.

وفي هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تتحرك بمنطق “عدم الخسارة”، حيث يصبح الاستمرار والصمود هدفا بحد ذاته، حتى في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية. وهو ما يجعل أي مواجهة مفتوحة محفوفة بمخاطر الانزلاق إلى صراع طويل الأمد.

حسب علوش فالمشهد المستقبلي للصراع ينحصر في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

            التصعيد الشامل

في حال تنفيذ تهديدات دونالد ترامب بفتح مضيق هرمز بالقوة واستهداف البنية التحتية الإيرانية، فإن الرد الإيراني قد يدفع المنطقة نحو حرب إقليمية واسعة، تمتد إلى لبنان واليمن والعراق، مع تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة.

            الاحتواء المؤقت

نجاح الوساطات العربية والدولية قد يؤدي إلى اتفاق محدود أو تهدئة مرحلية، رغم أن هذا السيناريو يظل ضعيفا في ظل تصاعد التوتر وانعدام الثقة بين الأطراف.

            حرب استنزاف طويلة

وهو السيناريو الأكثر ترجيحا، حيث تستمر المواجهات بوتيرة منخفضة إلى متوسطة، دون حسم واضح، مع احتمالات تصعيد مفاجئ في أي لحظة.

أخطر ما في المرحلة الحالية في نظر المحلل السياسي، هو تآكل مفهوم “الخطوط الحمراء”. فمع تصلب مواقف الأطراف، يبدو أن هامش المناورة يتقلص، ما يزيد من احتمالات الانفجار غير المحسوب. فكل طرف يتحرك وفق حسابات البقاء أو الهيبة، وليس وفق منطق التسويات.

قال علوش، إن احتمال تدخل حلف شمال الأطلسي يثير تساؤلات معقدة، خاصة في ظل دعوات لتأمين الملاحة في مضيق هرمز. غير أن أي تدخل عسكري مباشر يتطلب توافقا سياسيا بين أعضائه، وهو أمر ليس مضمونا في ظل التباينات داخل الحلف، خصوصا بعد الحرب في أوكرانيا وتداعياتها.

بل إن هذه الحرب قد تعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل الناتو ودوره، في ظل تراجع الثقة ببعض الضمانات الأمنية التقليدية، وتغير موازين القوى العالمية.

في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو نهاية قريبة للصراع، بل إلى مرحلة أكثر تعقيدا تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع السياسية والاقتصادية. وبين التصعيد والاحتواء، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، قد لا تقتصر نتائجها على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى النظام الدولي بأسره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

تقرير أمريكي يرصد توسع نفوذ الشركات الصينية في إفريقيا

المنشور التالي

المغرب ضمن الدول الأكثر أمانا عالميا في مؤشر الإرهاب لسنة 2026

المقالات ذات الصلة