تراجع ملحوظ في العواصف الترابية بشمال إفريقيا منذ ثمانينيات القرن الماضي

كشفت دراسة علمية حديثة نشرها الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي عن انخفاض تدريجي في وتيرة العواصف الترابية بشمال إفريقيا، خصوصا في منطقتي الصحراء والساحل، بمعدل يقارب 0.1 عاصفة شهريا منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، مرجحة استمرار هذا المنحى في ظل التحولات المناخية الجارية، بما قد ينعكس إيجابا على جودة الهواء والإنتاج الزراعي بالمنطقة.

ورصدت الدراسة، التي حملت عنوان “اتجاه العواصف الترابية في شمال إفريقيا وعلاقتها المحتملة بتغير المناخ”، تقلبات لافتة في نشاط الغبار خلال العقود الأخيرة، معتبرة أن هذه التغيرات تعكس تداخلا معقدا بين ديناميات مناخية إقليمية وتحولات بيئية طويلة الأمد.

وأبرز الباحثون أن ظاهرة “ذبذب الأطلسي متعدد العقود” (AMO) تعد عاملا حاسما في تفسير هذا التراجع، مع اختلاف التأثيرات بين الساحل والصحراء. ففي منطقة الساحل، يسهم الاحترار النسبي في تعزيز الغطاء النباتي، ما يحد من تطاير الغبار. أما في الصحراء، فيؤثر AMO على قوة منخفض الحرارة الصحراوي، ويرفع درجات الحرارة، مما يغير من استقرار الغلاف الجوي وأنماط الرياح، وبالتالي يؤثر على دينامية الغبار.

ووفق نتائج الدراسة، تختلف العوامل المؤثرة محليا بين المنطقتين، إذ تلعب الأمطار ومؤشر مساحة الأوراق (LAI) دورا محوريا في تقلبات الغبار بالساحل، بينما ترتبط الظاهرة في الصحراء أساسا بقوة منخفض الحرارة الصحراوي وسرعة الرياح السطحية.

وتعد العواصف الرملية والترابية من أبرز السمات المناخية في شمال إفريقيا، خاصة عبر الصحراء الكبرى والساحل، حيث تشكل المساحات القاحلة وشبه القاحلة مصدرا رئيسيا للغبار المعدني عالميا. وتشير التقديرات إلى أن الصحراء الكبرى مسؤولة عن أكثر من نصف الانبعاثات العالمية للغبار، ما يمنحها تأثيرا واسعا على المناخ الإقليمي والدولي.

ويلعب الغبار المحمول جوا دورا معقدا في النظام المناخي، إذ يتفاعل مع توازن الإشعاع الأرضي وخصائص السحب والدورات البيوجيوكيميائية، ما يؤثر في النظم البيئية وأنماط الطقس وصحة الإنسان. كما يعمل كنوى لتكاثف السحب والجليد، مساهما في تنظيم عمليات الهطول.

ولا تقتصر تأثيرات الغبار الصحراوي على محيطه الجغرافي، إذ يمكن لجسيماته الانتقال آلاف الكيلومترات نحو أوروبا والأمريكيتين وحتى المناطق القطبية. وتؤكد الدراسة أن فهم اتجاهات نشاط الغبار يكتسي أهمية بالغة، نظرا لدوره في تعديل الإشعاع الشمسي والأرضي عبر التشتت والامتصاص، وهو ما قد يؤدي إلى تبريد أو تدفئة إقليمية تبعاً لخصائص الجسيمات والظروف الجوية.

وعلى الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، تظل العواصف الترابية عاملا ضاغطا، إذ ترتبط بتدهور جودة الهواء، وتراجع المحاصيل الزراعية، وتعطيل النقل، وارتفاع المخاطر الصحية. ففي منطقة الساحل مثلا، ترتبط فترات الغبار الكثيف بزيادة حالات التهاب السحايا البكتيري، حيث قد تتحول العدوى من مستوى متوطن إلى موجات وبائية خلال مواسم الذروة.

وتخلص الدراسة إلى أن رصد التحولات في نشاط الغبار بشمال إفريقيا يمثل مفتاحا لفهم أعمق للتفاعلات المناخية، وتقييم انعكاساتها البيئية والصحية والاقتصادية على المدى البعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

مصرع متزلجين وإصابة ثالث في انهيار جليدي شمال إيطاليا

المنشور التالي

عدول المغرب يخوضون إضرابا وطنيا رفضا لمشروع قانون تنظيم المهنة

المقالات ذات الصلة