يثير الحديث عن تنحي عزيز أخنوش من الأمانة العامة لحزب الأحرار أسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة. فالحدث لا يمكن التعامل معه كخبر عابر أو إجراء تنظيمي عادي، بالنظر إلى السياق السياسي العام وإلى موقع الرجل على رأس الحكومة والحزب معاً.
أولاً: الحيثيات المحتملة
من حيث المبدأ، يمكن قراءة هذا التنحي من زوايا متعددة. القراءة الرسمية، إن قُدّمت، ستذهب على الأرجح في اتجاه “فصل المسؤوليات” أو “إتاحة الفرصة لتجديد النخب” أو “التركيز على العمل الحكومي”. غير أن هذه التبريرات، رغم وجاهتها النظرية، تصطدم بواقع الممارسة السياسية في المغرب، حيث نادراً ما يتم التخلي عن القيادة الحزبية طواعية، خصوصاً عندما يكون الأمين العام هو نفسه رئيس الحكومة.
القراءة الثانية، غير المعلنة، تفترض وجود اختلالات داخلية: توتر تنظيمي، تراجع في التعبئة، أو نقاشات صامتة حول الحصيلة السياسية والاجتماعية للحكومة. في مثل هذه الحالات، يصبح “التنحي” مخرجاً أقل كلفة من الاستمرار في وضعية استنزاف سياسي.
أما القراءة الثالثة، فهي ربط القرار بالسياق العام: ضغط الرأي العام، تراكم الانتقادات، وحاجة المنظومة السياسية إلى إرسال إشارات تهدئة أو تصحيح مسار، دون الذهاب إلى تغييرات حكومية مباشرة.
وفي قلب هذه القراءات، تبرز مسألة أساسية كثيراً ما يتم القفز عليها: الانتخابات باعتبارها محطة للمحاسبة السياسية. ففي الأنظمة التمثيلية، لا تُقاس المسؤولية فقط بمدى احترام المساطر القانونية، بل بمدى تحمل القيادة السياسية لنتائج الأداء الحكومي عند العودة إلى صناديق الاقتراع.
في هذا السياق، يتحمل رئيس الحكومة، بحكم موقعه، مسؤولية سياسية مضاعفة: فهو لا يقود الجهاز التنفيذي فحسب، بل يقود أيضاً الحزب الذي يتزعم التحالف الحكومي، ويُفترض أن يتحمل، رمزياً وسياسياً، كلفة الحصيلة، إيجاباً أو سلباً. لذلك، فإن أي حديث عن إعادة تموضع أو انسحاب من الواجهة الحزبية، لا يمكن فصله عن أفق الانتخابات المقبلة، حيث تُترجم الثقة الشعبية أو تُسحب، وتُقدَّم الحسابات بشكل غير مباشر عبر صناديق الاقتراع.
من هذا المنظور، قد يُقرأ التنحي كآلية لتخفيف العبء السياسي عن الحزب، أو كفصلٍ مقصود بين الحصيلة الحكومية وشخص الأمين العام، أو حتى كاستباق لمرحلة انتخابية يُعاد فيها ترتيب المسؤوليات وتوزيع الأدوار
ثانياً: هل التنحي عادي من حيث الشكل؟
من حيث الشكل، الجواب هو: لا.
ليس من المعتاد أن يتخلى أمين عام حزب يقود الحكومة عن منصبه الحزبي في منتصف الولاية، ودون مؤتمر استثنائي واضح المعالم أو مسار تمهيدي معلن. في التجربة الحزبية الوطنية، غالباً ما يحدث العكس: الجمع بين رئاسة الحكومة وقيادة الحزب يُعتبر مصدر قوة داخلية، لا عبئاً يدفع إلى التخلي.
لذلك، فإن “الطابع العادي” الذي قد يُراد إضفاؤه على القرار لا يصمد أمام المقارنة مع سوابق سياسية، حيث ظل التشبث بالمواقع هو القاعدة، وليس الاستثناء.
ثالثاً: أي رسالة يحملها هذا القرار؟
سياسياً، يحمل هذا التنحي أكثر من رسالة:
• رسالة إلى داخل الحزب مفادها أن مرحلة معينة انتهت، وأن إعادة ترتيب البيت الداخلي أصبحت أولوية، سواء لتدبير الخلافات أو للتحضير لما هو قادم.
• رسالة إلى الرأي العام تقول إن القيادة السياسية ليست جامدة، وإن التغيير ممكن، ولو كان جزئياً، في لحظات الضغط.
• ورسالة أعمق إلى الحقل السياسي مفادها أن المسؤولية الحكومية لم تعد درعاً كافياً لحماية القيادة الحزبية من المحاسبة السياسية، ولو بشكل غير مباشر.
أخيرا يمكن القول أن تنحي عزيز أخنوش من قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، لا يمكن قراءته كخطوة تقنية أو اختيار شخصي معزول عن السياق العام. هو قرار غير مألوف في شكله، ثقيل في رمزيته، ومفتوح على تأويلات تتجاوز الشخص إلى طبيعة العلاقة بين الحزب، الحكومة، والرأي العام.
أما الأسباب الحقيقية، فغالباً لن تُقال كاملة. لكن السياسة، كما علمتنا التجارب، تكشف أسرارها بالتدريج.
والأيام وحدها كفيلة بترتيب المعنى الكامل لهذا الحدث.