في خضم المستجدات السياسية التي تعرفها فنزويلا، عاد الجدل حول مواقف هذا البلد من قضية الصحراء المغربية، خاصة بعد خلع الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، المعروف بعدائه للوحدة الترابية للمملكة.
في هذا الحوار الذي خص به THE PRESS، يقدم أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في شؤون الصحراء، قراءة تحليلية لخلفيات الموقف الفنزويلي، أبعاده الأيديولوجية، وانعكاساته على صورة السياسي دوليا، إضافة إلى تنبئه بتغير موقف كاراكاس مستقبلا.
كيف تقيمون مواقف الرئيس الفنزويلي السابق من قضية الصحراء المغربية في سياق العلاقات الدولية؟
موقف مادورو، الرئيس الفنزويلي المخلوع، من قضية الصحراء المغربية كان موقفا عدائيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سواء على مستوى الدعم السياسي أو العسكري أو المالي للمشروع الانفصالي الذي ترعاه الجزائر، حليفة فنزويلا في منطقتنا المغاربية.
وأبرز مثال على هذه العدوانية هو ما أقدم عليه مادورو سنة 2022، خلال زيارته للجزائر، حيث قدم دعما ماليا لميليشيات “البوليساريو” بحوالي 20 مليون دولار أمريكي، أي ما يعادل عشرين مليار سنتيم بحساب المواطن المغربي البسيط، وجه حسب بلاغ رسمي فنزويلي إلى “تحسين مستوى المعدات العسكرية” للجهة الانفصالية.
بمعنى آخر، تم توجيه هذا المبلغ لتسليح عصابات البوليساريو من أجل ضرب المغرب، ولا أظن أن هناك حجة أقوى من هذه لإثبات السياسة العدوانية لمادورو ضد المغرب وسلامة أراضيه.
وإذا دخلنا في التفاصيل، يمكن ذكر عشرات الأدلة الأخرى، من بينها استقبال أطفال مخيمات تندوف في فنزويلا بهدف التحريض والحشو الإيديولوجي في معسكرات صيفية، إلى استقبال زعيم الانفصاليين إبراهيم غالي وتوشيحه بأعلى وسام “بوليفاري”، مرورا بالمناوشات الدبلوماسية ضد المغرب في المحافل الدولية.
ومن أبرزها أيضا محاولة مادورو الفاشلة سنة 2010 منع إلقاء رسالة ملكية موجهة إلى ملتقى دولي للتضامن مع ضحايا زلزال هايتي، والقائمة طويلة.
هل كان هذا الموقف مبنيا على قراءة قانونية للملف أم على اصطفاف إيديولوجي؟
بالعكس، لو كان مادورو وسلفه تشافيز وغيرهما من الرؤساء يحترمون القانون الدولي، لما اعترفوا بكيان لا تتوفر فيه شروط الدولة، ولما اعترفوا بكيان تندوف، وهو تناقض صارخ مع مزاعمهم الكاذبة في الدفاع عن تقرير المصير.
فالاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” هو في حد ذاته استباق لتقرير المصير، بل هو حلول محل الساكنة في تقرير مصيرها.
وعموما، دعم فنزويلا وبعض دول أمريكا اللاتينية للمشروع الانفصالي الذي ترعاه الجزائر يعد اصطفافا إيديولوجيا محضا، تغذيه تعاطفات تاريخية لدى أغلب الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية مع جبهة البوليساريو، نتيجة التأثير العميق للبروباغندا الجزائرية التي قلبت الحقائق حول قضية الصحراء المغربية.
وقد جرى تقديم الحركة الانفصالية، زورا وبهتانا، كحركة تحررية، في حين أنها عمليا تخدم أهداف الإمبريالية والدول الاستعمارية عبر تفتيت دول العالم الثالث وإبقائها ضعيفة وتحت السيطرة.
ولو كان هناك منطق لدى هذه الحركات اليسارية، لكانت دعمت وحدة المغرب، ولوجدت ما يكفي من الأسباب لإدانة جرائم الاستعمار الإسباني في المغرب، كما فعلت في بلدانها، لو وجد من يشرح لها جذور هذا الصراع والمؤامرة التي استهدفت تفتيت الوحدة الترابية المغربية قبل أن تتسلم الجزائر هذه المهمة.
وبنفس المنطق، فإن اليسار في أمريكا الجنوبية، الذي يملك رصيدا كبيرا من المعاناة ضد الدكتاتوريات العسكرية، ما كان ليضع يده في يد النظام العسكري الجزائري، الراعي الرسمي للانفصال. غير أن تأثير بروباغندا الحرب الباردة لا يزال حاضرا بقوة في وعي جزء كبير من هذا اليسار.
إلى أي حد تؤثر مواقف من هذا النوع على صورة السياسي دوليا؟
الزمن كفيل بكشف كل ما يبدو في لحظة معينة براقا، قبل أن يتضح لاحقا أنه مجرد سراب. وهذا هو حال الأنظمة الإيديولوجية التي كانت تزعم أنها “ديمقراطيات شعبية” ومنحازة للكادحين.
بعد سقوط المعسكر الشرقي، اكتشف العالم، ومعه العمال والفلاحون، أن الأنظمة الشيوعية كانت من أكثر الأنظمة قمعا وفتكا بمواطنيها، وصادرت كل الحريات، من حرية التعبير إلى حرية العبادة، مرورا بحرية تأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات.
وقد تحولت تلك الدول إلى معتقلات كبيرة، لا رأي فيها إلا رأي الحزب والحاكم، مع استبدال طبقة الإقطاع والنبلاء بطبقة جديدة من “الرفاق” و”النومنكولاتورا” التي استولت على السلطة والثروة باسم الشعب.
هل يمكن أن تغير فنزويلا موقفها حاليا بعد خلع رئيسها؟
هذا أمر وارد جدا، وهناك تجارب سابقة في عدة دول بأمريكا اللاتينية سحبت اعترافها بجمهورية تندوف الوهمية مباشرة بعد تغيير الأنظمة أو وصول أحزاب ديمقراطية إلى الحكم، مثل باراغواي، بل وحتى كولومبيا قبل أن تتراجع سنة 2022 مع وصول حزب يساري راديكالي إلى السلطة.
كما أن المغرب سبق له أن فتح قنوات اتصال مع المعارضة الفنزويلية سنة 2019، عندما أعلن دعمه لخوان غوايدو خلال أزمة الرئاسة في مواجهة مادورو، وقد عبر غوايدو لاحقا عن دعمه للمقترح المغربي لحل النزاع في الصحراء.
وبشكل عام، يمكن القول إن تغيير موقف فنزويلا وارد جدا بعد خلع مادورو، لأن الدول الديمقراطية تبني سياساتها الخارجية على أساس المصالح، بخلاف أحزاب اليسار الراديكالي التي تتحكم الاعتبارات الإيديولوجية في خياراتها الدبلوماسية.
يؤكد هذا الحوار أن المواقف العدائية لفنزويلا تجاه المغرب لم تكن وليدة قراءة قانونية أو موضوعية، بل نتاج اصطفاف إيديولوجي صريح، مرشح للتراجع مع أي تحول ديمقراطي حقيقي في بنية الحكم الفنزويلي .