بوعلام يعانق الحرية والنظام الجزائري يرضخ صاغرا..

تتواتر مؤشرات متطابقة في الجزائر توحي بقرب الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال، أحد أبرز رموز الفكر النقدي في البلاد، والذي أثار اعتقاله موجة واسعة من الاستنكار عبر أنحاء العالم. فمنذ توقيفه، تحركت العديد من المنظمات الدولية والجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان والشخصيات الثقافية للتنديد بما اعتُبر حملة سياسية شرسة هدفها إسكات صوت معارض. هذا الضغط المستمر أحدث شرخا تدريجيا في الخطاب الرسمي، كاشفا هشاشة سلطة تواجه أصلا أزمة شرعية داخلية وتراجعا حادا في مصداقيتها الخارجية.

وفي الأسابيع الأخيرة، اختارت الجزائر التصعيد الخطابي، فأطلقت تصريحات متشددة تهدف إلى تحويل “الصرامة” إلى مبدأ للحكم. غير أن هذه المقاربة سرعان ما أظهرت حدودها؛ إذ تزايدت الإدانات الدولية، واشتدت التساؤلات الدبلوماسية حول احترام الحريات الأساسية، فتآكلت الرواية الرسمية، وتبدلت صورة الدولة الواثقة من نفسها إلى نظام منغلق، متوتر، لا يجيد التعامل مع المعارضة إلا بالقمع.

من ثمّ، تبدو الخطوة المنتظرة نحو الإفراج أقل كرما وأكثر اعترافا بالضعف. فخضوع النظام الجزائري للضغط الدولي بعد أن نصّب نفسه سدًّا منيعًا ضد أي انتقاد، يكشف مرة أخرى أن صلابته ليست سوى واجهة سياسية هشة. كما أن العزلة الدبلوماسية التي ظهرت بوضوح في الملفات الإقليمية والدولية الأخيرة عمّقت حاجة النظام إلى التهدئة وتجنّب فضيحة جديدة قد تزيد من تهميش الجزائر على الساحة العالمية.

وبالنسبة لبوعلام صنصال، ولكل المدافعين عن حرية التعبير، فإن تحقيق هذا الإفراج – حين يصبح واقعًا – سيكون نصرًا رمزيًا يذكّر بأن الكلمة الحرة في الجزائر ما زالت تخضع للمراقبة، وأن كل صوت معارض يظل ثمينًا، وكل تراجع للسلطة ثمرة نضال طويل وشاق. هذا الحدث يسلّط الضوء على حدود السيطرة السياسية أمام ضغط الرأي العام العالمي وقوة الفكر. ويبقى السؤال: هل سيكون هذا الإفراج مقدمة لانفراج سياسي حقيقي، أم مجرد مناورة تكتيكية لستر تصدعات نظام يوشك على الانهيار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

المغرب يخطو نحو تقنين العملات المشفرة.. إطار قانوني جديد لتنظيم سوق ناشئ بثقة وشفافية

المنشور التالي

النساء المهاجرات الناجيات من العنف في المغرب: -سردية جديدة لواقع هش-

المقالات ذات الصلة