النساء المهاجرات الناجيات من العنف في المغرب: -سردية جديدة لواقع هش-

بقلم خالد وديرو

لازلت اعاني من مخلفات تجربة العنف والتهجير والطريق المميت نحو شمال افريقيا عبر الصحراء الكبرى حيث تعرضت لمحاولات اغتصاب اكرة من مرة، والان زادت المعاناة اليومية كلاجئة بالمغرب جراء الفقر ونظرة الاخرين لي كمهاجرة سمراء البشرة ومسيحية الديانة ” هكذا عبرت “كامارا” (وهو اسم مستعار احتراما لرغبة الشاهدة) عن فصل من معاناتها كغينية مقيمة بمدينة الدار البيضاء وتضيف ” غادرنا بفعل الصراعات المسلحة والعنف، لكن هذا الخوف عشناه مضاعفا مع عصابات الهجرة السرية خصوصا نحن النساء.”

كان هذا مقتطفا من حوارٍ طويل جردت فيه “كامارا” معاناتها المستمرة منذ قرارها الرحيل من غينيا وركوب امواج مغامرة غير محسوبة العواقب على طول الصحراء الكبرى تجاه المغرب بحثا من حياة أفضل ” الان وقد توفقت في الحصول على مكان امن لكن واقع التهميش الاجتماعي ونظرة الاخرين الدونية جعلتني اعيش بين نارين؛ نار صدمة العنف في الماضي وأثاره النفسية التي جعلتني اطلب المساعدة النفسية ونار صعوبة الاندماج الاجتماعي والحصول على فرصة عمل قار وأيضا نظرة الاخرين لي كامرأة مهاجرة نحن لا نشعر بالوصم، بل نعيشه فعلا..”

كما تصف “كامارا ” فالصعوبة تبدأ بالبحث من مسكن خصوصا في مدينة كالدار البيضاء والتي تعرف ارتفاعا في سومة الكراء حيث تضطر النساء كما في حالتها الى استئجار غرفة مشتركة داخل شقة تكتريها عشرات النسوة، ثلاث نساء إلى أربعة في كل غرفة مع وجود اطفال بينهم في الكثير من الحالات.. سومة كراء غرفة مشتركة تقدر بألف درهم شهريا والكاري شخص وسيط لا يجد طريقا للرحمة تجاه القادمات من دول جنوب الصحراء.

وفق حديث كامارا فقد أيضا كان يهددها بالطرد الى الشارع عند أول تأخر في سداد سومة كراء الغرفة المشتركة التي تشبه الزنزانة الى حد كبير مع وجود اربعة أشخاص بنفس الغرفة في احدى شقق السكن الاقتصادي.. بعد ذلك تبدأ معاناة التنقل من حي “رياض الالفة” إلى السوق النموذجي بباب مراكش والذي يستغرق وقتا طويلا بالإضافة الى تكلفة التنقل ذاهبا وايابا بشكل يومي للحصول على لقمة العيش..

بعد الوصول الى ” السوق النموذجي ” بباب مراكش الذي يعتبر المركز الرئيسي لنشاطها الاقتصادي كبائعة متجولة لبعض المنتوجات الشبه طبية في رحلة عذاب بين الشوارع وداخل المقاهي بين قلة المشترين ونظرة البعض بشفقة وتحفظ اخرين على وضعها علامة الصليب على عنقها.. الشيء الذي ستجنبته لاحقا لدرء رفض الاخرين لها كمهاجرة مسيحية الديانة.. نظرات صديقاتها حولها -المنحدرات من دول جنوب الصحراء- تؤكد الحال وفي كل مرة يحاولن التعبير ووصف نفس المعاناة بسيناريوهات متشابهة الى حد كبير كل واحد منهم بشخوص وأمكنة مختلفة لكن بنفس الشرخ النفسي وأحيانا الجسدي.. هنا توقفت “كامارا” عند تجربة وباء كورونا ومخلفات الحجر الصحي على وضعهن الهش أصلا.. حيث وجدن صعوبة كبيرة في توفير القوت اليومي.. بل وحتى أدنى شروط النظافة والحفاظ على الكرامة الانسانية كتوفير الفوطة الصحية عند العادة الشهرية..

سكن مكتظ وسطَ بيئة فقيرة :

“رياض الالفة” حي معروف بكونه مقصد نسبة كبيرة من مهاجرين دول جنوب الصحراء عرف ارتفاع تناسبي في تشييد عمارات عديدة من السكن الاقتصادي من جهة و توافد العديد من المهاجرين للإقامة فيه داخل تجمعات وتكتلات بمرجعية الانتماء الثقافي او الانتساب لهذه الدولة او تلك .. هكذا تنتظم البنية الاجتماعية لهذه الفئة من المهاجرين داخل هذه الأحياء التي تعيش على الهامش وتعرف اكتظاظا بين المقيمين داخلها حيث تحمل الشقة ما بين ستة الى أكثر من عشر أشخاص وأكثر. بالإضافة الى ضعف الخدمات الصحية والبعد عندها في نفس الوقت بالمستشفى الجامعي مثلا.. ونفس الشيء بالنسبة لباقي المرافق والخدمات العمومية. ناهيك عن ارتفاع معدلات الجريمة في هذه الهوامش والاحساس بانعدام الأمن في الكثير من الأحيان بالنسبة للنساء المهاجرات فالعنف المبني على النوع أصبح معتادا في وسطنا الاجتماعي كمهاجرات.. خصوصا عند نشوب صراعات بالأسلحة البيضاء والعصي بين بعض مروجي الممنوعات والمخدرات من نفس الفئة المهاجرة الأمر الذي أصبح شبه معتاد بيننا. وخلف نوعا من النفور ومن عدم القبول حتى من طرف بيض جيراننا وأصدقائنا المغاربة الذي أصبح بعضهم يعبر هم امتعاضه من تصرفات فوضى البعض من المهاجرين..

هذه الهشاشة تفاقم وضع المهاجرات العاملات واللائي يسعين للعمل والكد لتوفير العيش الكريم في انتظار تحسن الأوضاع في بلدانهم على أمل العودة..

فماذا تقول المنظمات والهيئات الدولية المختصة في هذا الصدد؟

المفوضية السامية للاجئين وعلى لسان وجدان الحبيب سليك مسؤولة بقسم الحماية بالمفوضية السامية لللاجئين قدمت تصور شامل للتدخل الميداني للمفوضية في هذا الصدد في جوابها على عدة اسئلة ; أكدت أن “الحماية الدولية” للاجئين هي المهمة الأساسية لعمل المفوضية واعتبار “الوقاية و التدخل أمام حالات العنف المبني على النوع” يعدد أولوية شاملة “خصوصا أن النساء اللاجئات وطالبات اللجوء هن الاكثر عرضة لمخاطر العنف الجنسي، الاستغلال، الاتجار في البشر والعنصرية” تضيف نفس المسؤولة حيث بسطت اربع محاور تنبني عليا استراتيجية المفوضية ميدانيا وهي :

1 الوقاية؛ من خلال حملات تحسيسية، دورات تكوينية، وتقوية قدرات الشركاء للترافع امام السلطات الوطنية.

2 الحماية والتكفل؛ عبر وضع الية فعالة وتحترم الخصوصية وحماية المعلومات الخاصة فيما يخص توجيه الناجيات للاستفادة من الخدمات الطبية، النفسية والاجتماعية والقانونية والأمنية الملائمة.

3 تقوية الاستقلالية؛ عبر تسهيل ولوج النساء اللاجئات للتعليم ووسائل العيش والمشاركة المجتمعية للتقليل من ظاهرة العنف.

4 شراكات وتعاون؛ مع منظمات غير حكومية محلية، المؤسسات العمومية ومنظمات المجتمع المدني خصوصا “مؤسسة الشرق ـ الغرب” ” المنظمة المغربية لحقوق الانسان OMDH” ” الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة L’AMPF” وغيرها… “كل هذا لضمان التنسيق المتماشي مع الحاجيات الأساسية والخاصة للناجيات. كل هذا في إطار مقاربة المفوضية المبنية على مبادئ السرية، الأمن، الكرامة وعدم التمييز” تضيف نفس المسؤولة بالمفوضية معززة تصريحاتها بأرقام وإحصائيات ميدانية حيت تم استفادة 225 ناجية من العنف من دعم مالي منهم 14 امرأة أصبحن ممارسات لأنشطة مدرة للدخل، 54 حالة مسجلات في دورات تكوينية، 820 فتاة يتمدرسن بالسلكين الابتدائي والثانوي حيث وصلت نسبة التمدرس العام لدى هذه الفئة 48%.

أما فيما يخص التصورات المستقبلية للمفوضية ف “تروم تعزيز حماية الناجيات من العنف من المهاجرات هدف المفوضية هو تعزيز آليات الحماية وتحسين ولوج النساء المهاجرات وطالبات اللجوء إلى الخدمات الأساسية عبر تقوية الدعم والإسناد القانوني بالإضافة الى الترافع لتسهيل الاندماج في السياسات العامة الوطنية في التراب الوطني” تضيف وجدان الحبيب سليك مسؤولة بقسم الحماية بالمفوضية السامية للاجئين.

لكن ماهي الصعوبات المطروحة امام التنزيل الشامل لاستراتيجية المفوضية بالمغرب؟

تبقى صعوبة الحصول على بطاقة “لاجئ” من أبرز الصعوبات امام النساء المهاجرات او طالبات اللجوء لما يترتب عن ذلك من تعقيد الولوجيات لباقي الخدمات الاساسية التي تحفظ الكرامة الإنسانية. بعد ذلك يأتي حاجز الثقافة واللغة امام الاندماج والتواصل الاجتماعي مما تقلل فرص الحصول على عمل والتواصل اليومي مع باقي المواطنين المغاربة، ثم ضعف التمويل للتكفل بالمهاجرات ضحايا العنف المبني على النوع. اما مشكل الحصول على سكن فيبقى تحدي أكبر أمام غلاء سومة الكراء خصوصا في المدن الكبرى

“المنظمة الدولية للهجرة “، بالإضافة إلى دورها الكبير في التواصل والتنسيق بين جميع الفاعلين السياسيين ومجموعة من الهيئات والمنظمات الدولية وكذا بعض الفاعلين في المجتمع المدني الا ان فعالية هذا النشاط تبقى محدودة الاثر الى حد كبير خصوصا أمام نقص الدعم الرسمي من طرف “منظمة للأمم المتحدة ” اللهم فيما يخص بعض الدراسات الميدانية التي تقدم صورة اوضح بخصوص واقع الهجرة والمهاجرين بالمغرب ؛ 2016 مثلا أجرت المنظمة الدولية للهجرة بالرباط دراسة ميدانية حول التغطيات الاعلامية للهجرة بعدة دول من ضمنها المغرب حيث خرجت بعدة توصيات منها -فيما يرتبط بالموضوع- ضرورة اسماع صوت المهاجرين وإحداث تغيير إيجابي يروم الخطاب الإعلامي نحو مهنية أكبر وتوجيه السردية نحو فهم اعمق للظاهرة.. هذا بالتأكيد سيساعد النساء المهاجرات من اسماع صوتهم كفئة هشة داخل المجتمع. كما شددت على ضرورة تحمل وسائل الاعلام لمسؤوليتها في إبراز حقيقة استفادة الدول من الأجانب على المستوى المعرفي، الثقافي وايضا الاقتصادي باعتبارهم فئة نشيطة ومنتجة اقتصاديا.

قوانين الهجرة بالمغرب والسياسات العامة :

عشر سنوات مرت على تبني وإطلاق المغرب “للإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء” بالضبط في دجنبر 2014 كاستراتيجية مندمجة، مسؤولة، تأخذ البعد الإنساني بعين الاعتبار وهو ما أكده صاحب الجلالة ملك البلاد في خطابه السامي بمناسبة الذكرى 38 للمسيرة الخضراء حيث أكد الماك على ضرورة تبني الحكومة لسياسة انسانية شاملة تحترم حقوق المهاجرين في قضايا الهجرة واللجوء.. هذه التوجيهات الملكية جاءت في سياق دولي واقليمي يفرض عدة تحديات امنية جعلت المغرب يعتمد سياسة متكاملة وعقلانية بهدف تقنين الظاهرة، رصدها ودراستها لتجنب ظواهر الاتجار في البشر ومكافحة الجريمة الدولية ذات الصلة الامر الذي جعل المغرب دولة رائدة في تيسير وتدبير مسألة الهجرة في كل منطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط..

فالمغرب تدريجيا تحول من مجرد بلد للعبور نحو اوروبا الى بلد استقرار او انتظار متوسط وطويل الامد للهجرة الى اوروبا مما جعل ظاهرة الهجرة امرا مركبا في ذاته وصعب التقبل والادراك بالنسبة للمواطن المغربي العادي من جهة اخرى خصوصا فيما يخص افاق ومستقبل هذه الاعداد المهمة من المهاجرين والذين يشكلون حوالي 1 % من مجموع سكان المغرب حسب اخر احصاء وما يطرحه هذا العدد من تحديات الاندماج وقبول الاخر المختلف والتأسيس لمجتمع التنوع والاختلاف..

بخصوص النساء المهاجرات كفئة هشة وحسب إحصائيات رسمية لوزارة الداخلية تشير الى انه من أصل 27332 ألف طلب لجوء من مهاجرين دول جنوب الصحراء سنة 2014 نجد 10201 طلب لجوء لمهاجرات جنوب الصحراء تمت قبول طلباتهم وتسوية وضعيتهم القانونية.

على المستوى القانوني فيما يخص محاربة العنف وكل اشكال التمييز ضد المرأة: تبنى مجلس المستشارين البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW في السابع من يوليوز من سنة 2015، ناهيك عن سن المغرب لقانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء مما يبين ان لا فراغ قانوني للدفاع عن النساء المهاجرات كفئة هشة تعاني التمييز والعنف المتعدد الابعاد المبني على النوع لكن التحدي هو تفعيل هذه الترسانة القانونية لحماية الفئات الهشة ضد كل أشكال التمييز والعنف لما له من اثر نفسي على الضحايا وعلى واقعهم الاقتصادي والاجتماعي ..

معالجة المشكلة مجتمعيا والآثار المنتظرة:

واقع الحال يكشف عن مشكلة العنف ضد النساء المهاجرات باعتبارها جزء من الكل لكنها تقتضي معالجة المشكل بشكل تقاطعي أساسا؛ أي تفكيك المشكلة اولا من خلال فك عقدها بمنهج تدريجي ومتواز بنفس السيرورة التي شكلت الظاهرة في البدء. من خلال عدة زوايا متداخلة من جهة وترقب الأثر الايجابي على الحياة اليومية للناجيات من العنف المبني على النوع في افق حياة أفضل..

يمكن التأكيد قطعا، على أن تغيير السردية يؤدي حتما إلى تغيير العقليات وهذا رهان أي خطاب اعلامي، وهذا الامر منوط به للإعلام المهني في معالجته لقضايا الهجرة والمهاجرين من خلال استخدام مفاهيم ومصطلحات مهنية، موضوعية بكل حياد لرصد جميع الاختلالات التي يتم تغطيتها إعلاميا بعيدا عن الاثارة والتهييج لإثارة المخاوف والتحقق من المعلومة أولا لتفادي الإشاعات والسقوط في الارتجالية الاعلامية.. فالصحافة المهنية ومن خلالها الصحافة المختصة في قضايا الهجرة قادرة على رفع التحدي وإحداث التغيير المنشود وفق مقاربة تتأسس على مفاهيم ومبادئ حقوق الانسان وفضح كل اشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي لدى الفئات الهشة والناجيات من هذا العنف. هذا لن يتأتى إلا بتفعيل خطاب إعلامي يكرس مفاهيم التنوع الثقافي والتعايش السلمي وقبول الآخر المختلف..

كل هذه المؤشرات السابقة يمكن اعتبارها نقط انطلاق لمختلف للفاعلين في هذا المجال بدءاً بالفاعل السياسي من خلال تكريس ارادة سياسية محلية وجهوية من طرف الأحزاب السياسية للمشاركة في تدبير اشكالية الهجرة ومعانان المهاجرات المعنفات خصوصاً، ثم أمنيا من خلال سرعة التفاعل الجدي في مثل هذه الحالات، مرورا بالمنظمات الدولية المختصة وانتهاء بمنظمات وجمعيات المجتمع المدني المهتمة بالنساء ضحايا العنف المبني على النوع نظرا لقربها تفاعلها المباشر مع الناجيات ومختلف الفئات الهشة.. بعيدا عن النظرة الاختزالية المتشبعة بمفاهيم “الحكرة” التي لا يقبلها عاقل.

أخيرا، التأكيد على المعاناة في شقها الانساني وعدم تحميل المهاجرات تبعات سياسات وصراعات لا يد لهن فيها بهدف تجنب الكراهية والعنصرية والعنف حاليا ومجتمعات الظل مستقبلا. _

(تم إنتاج هذا المحتوى في إطار برنامج أجيال المساواة بشراكة مع Expertise France)

1 comment
  1. المشكلة ان المهاجرين -جنوب الصحراء يعيشون حالة لا استقرار و يرغبون فقط في العبور لاوروبا..و المغاربة يشتكون دائما من اماكن تجمعاتهم التي تشكل في كثير من الاحيان مصدر خوف واللامن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

بوعلام يعانق الحرية والنظام الجزائري يرضخ صاغرا..

المنشور التالي

لفتيت: تعديلات انتخابية صارمة لتخليق السياسة وتجريد البرلمانيين المتورطين من مقاعدهم

المقالات ذات الصلة